FINANCIAL TIMES

مقاربة لأجل تخفيف مضاعفات "بريكست" السلبية

يعود الآن العمود Free Lunch، ونأمل أن يكون قد حظي جميع القراء بعطلة مريحة وبداية جيدة للعام الجديد.
من المقرر أن تبدأ البداية الحقيقية للعام الجديد بالنسبة لحكومة المملكة المتحدة قريبا، أيضا - والمهم ليس التعديلات الوزارية التي أجرتها تيريزا ماي، بل التوضيح المتوقع لرئيسة الوزراء حول نوع العلاقة التجارية المستقبلية، التي تود بريطانيا إقامتها مع الاتحاد الأوروبي.
هذا يعني أن زمن التخلي عن الأوهام المتعلقة بالتهام الكعكة والاحتفاظ بها في الوقت نفسه بات قريبا.
كيف ستختار المملكة المتحدة من بين البدائل والمقايضات التي تنطوي عليها مغادرتها الاتحاد الأوروبي؟ سيكون الخيار منحصرا بين قبول قواعد الاتحاد الأوروبي لدرجة أكبر، من أجل التقليل من الاحتكاكات التجارية التي ينطوي عليها البريكست، أو استعادة مزيد من السيادة الذاتية في مجال وضع القوانين، مع زيادة في تكلفة التجارة والنشاط الاقتصادي عبر الحدود.
بعد مضي خمسة أيام على الاستفتاء الذي أجري في عام 2016، توصلتُ إلى أن النتيجة الأكثر واقعية، كانت قرار البريكست الصعب على شكل اتفاقية تجارة حرة على غرار الاتفاق مع كندا.
هذا من شأنه أن يتجنب عودة الرسوم الجمركية المفروضة على السلع الأساسية، لكن من شأنه أن يقيم حدودا جمركية بين اقتصاد المملكة المتحدة واقتصادات بلدان الاتحاد الأوروبي، وينهي التجارة الحرة في مجال الخدمات وحرية تنقل العمال، وينهي صلاحية قانون الاتحاد الأوروبي داخل بريطانيا.
جاء ذلك عقب تفسير خاص للتصويت على المغادرة، الذي كان اتخاذه اعتمادا على قرارا اتخذه الشعب البريطاني لاستعادة السيطرة على التجارة والحدود والقوانين.
في الممارسة العملية، تعتبر حكومة ماي التصويت ولاية لجعل عملية إبرام اتفاقيات تجارية منفصلة مع بلدان من الطرف الثالث أمرا ممكنا، إلى جانب رفض إمكانية وصول المواطنين الأوروبيين إلى سوق العمل في المملكة المتحدة، ووضع حد للسلطة القضائية للاتحاد الأوروبي في بريطانيا.
اتفاقية التجارة الحرة بالأسلوب الكندي هي العلاقة التجارية المحتملة الأقرب، والتي تسمح بتحقيق تلك الغايات بشكل تام.
مع وجود استثناء واحد، فإن كل ما قالته حكومة ماي وفعلته يعزز هذا التصور، بما في ذلك الخطابان الكبيران اللذان ألقتهما حول الاتحاد الأوروبي في مجلس لانكاستر في كانون الثاني (يناير) الماضي، وفي فلورنسا في أيلول (سبتمبر) الماضي.
هل ستلتزم بذلك في خطاب ثالث ستلقيه حول الاتحاد الأوروبي، الذي من المتوقع أن تلقيه خلال الأسابيع القليلة المقبلة؟ لا تزال العلاقة على الطراز الكندي أحد السيناريوهات الرئيسة (على الرغم من أنه سيناريو سيئ بالنسبة لاقتصاد بريطانيا).
الانحراف الوحيد عن تلك السياسة هو الالتزام القوي شبه القانوني الذي عبرت عنه المملكة المتحدة، إزاء الحدود الإيرلندية عديمة الاحتكاك لاختتام المرحلة الأولى من محادثات البريكست الشهر الماضي، والتي ستتعزز لتصبح اتفاقية قانونية كاملة قبل أن يتم إحراز كثير من التقدم في المرحلة المقبلة.
عمل ذلك الالتزام على فتح سيناريو آخر غير مسبوق، الذي قد تحدد معالمه ماي في خطابها الثالث أمام الاتحاد الأوروبي.
السبيل الوحيدة للوفاء بوعد الحدود الإيرلندية هو أن تبقى إيرلندا الشمالية على الأقل، إن لم يكن كامل المملكة المتحدة في اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي (يبدو وزير المالية فيليب هاموند متقبلا لهذه الفكرة).
وهناك قبول تام بالسلطة القضائية للاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بأي أمر له علاقة بإنتاج السلع وتجارتها (مثل قطاع تنظيم الأدوية الذي تستعد المملكة المتحدة لتتولى أمره - بإيعاز من صناعتها).
مع ذلك، لا يتطلب ذلك من الناحية المنطقية حرية حركة الأشخاص أو الخدمات، ولا حتى مواءمة القواعد المتعلقة بالخدمات التي لا صلة لها بتجارة السلع، أو النشاط الاقتصادي غير القابل للتداول، ناهيك عن الجزء السياسي وغير الاقتصادي من قانون الاتحاد الأوروبي.
إذا كانت حكومة المملكة المتحدة تعني بحق ما وقعت عليه في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، للحفاظ على السلام في إيرلندا الشمالية، حينها يجب أن تكون العلاقة المستقبلية علاقة لا تحظى بها أي دولة أخرى مع الاتحاد الأوروبي.
وقد ينطوي ذلك على عضوية في الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة للسلع الأساسية فحسب، بل وقبول مجموعة كاملة من قوانين تنظيمية وسياسات تجارية، أيضاً تأتي مرافقة لذلك، لكن مع استقلالية تنظيمية في مجال الخدمات والقطاعات التي ليس لها علاقة بالتجارة، وانعدام حرية تنقل الأشخاص. لنطلق على ذلك تعبير "السوق المشتركة الكاملة في مجال السلع" و(السلع فقط).
كيف يمكن الدفاع عن ذلك في الوقت الذي تجري فيه استعادة السيطرة باستخدام الوسائل الثلاث المشار إليها مسبقا؟ في الواقع، بشكل قوي جدا.
بشكل واضح تماما، سيؤدي إنهاء حرية حركة الأشخاص وتنقلهم إلى السماح للحكومة بالإعلان عن مصدر القلق الرئيس - "السيطرة على حدودنا"، أو بشكل فج أكثر، خفض الهجرة.
فيما يتعلق بالسيطرة على "قوانيننا"، يمكن اقتراح ثلاثة حجج داعمة لوجود سوق مشتركة كاملة في مجال السلع الأساسية:
أولا: في الوقت الذي قد تصبح فيه بريطانيا متلقية للقواعد من الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالسلع الأساسية، سيبقى هنالك مجال لأن تستعيد استقلالها الرسمي التام في كل مجال آخر - الجزء الأكبر من الاقتصاد.
ثانيا، يمكن نمذجة اعتماد القواعد على غرار مشاركة النرويج في السوق الموحدة، مع وجود آلية قانونية منفصلة (محكمة منطقة التجارة الحرة الأوروبية والسلطة الإشرافية) التي تفرض قواعد النرويج ليجري تنسيقها مع قانون الاتحاد الأوروبي، لكن مع تأثير مباشر تلقائي.
على أن ذلك يبدو أقرب إلى كونه أمرا سياديا، ووفقا لرئيس محكمة إيفتا، هو في الواقع صديق للسيادة بشكل أكبر.
ثالثا: يمكن أن يمثل ذلك حلا وسط لسبب وجيه: إذ أن من شأنه أن يحمي دور قطاع التصنيع في المملكة المتحدة في سلاسل التوريد الأوروبية، نظرا لأنه قد يعني أن هنالك أجزاء ستعبر الحدود مع احتكاك أقل مما هو مفروض اليوم.
أخيرا، ماذا عن السيطرة على "تجارتنا"؟ يمكن أن تعمل السوق المشتركة الكاملة في مجال السلع والبضائع على استبعاد الدخول في اتفاقيات تجارة حرة مع البلدان الأخرى. مرة أخرى، من شأن ذلك أن يحمي تجارة السلع والبضائع القائمة الآن في بريطانيا.
ليست هنالك أي اتفاقية تجارة حرة أخرى يمكنها تكرار المشاركة في سلاسل التوريد التي تتمتع بها شركات التصنيع البريطانية في أوروبا - بالتأكيد ليست الشراكة عبر الباسفيكي، ما تبدو الحكومة حريصة على الانضمام إليها.
إضافة إلى ذلك، فإن المملكة المتحدة هي المصدر الرئيس للخدمات في العالم. يمكن أن يتم نشر الاستقلالية التنظيمية، وهو أمر ممكن نظريا، بطريقة تعزز تجارة الخدمات في المملكة المتحدة مع الأسواق غير الأوروبية - ربما بشكل كاف حتى للتعويض عن القدرة المفقودة في مجال التزويد بالخدمات بحرية عبر السوق المشتركة في الاتحاد الأوروبي.
ستدعو الحاجة فقط إلى الدفاع عن بريكست على شكل سوق مشتركة كاملة في مجال السلع والبضائع (على الأقل من الناحية الاقتصادية) على هذا الأساس: قواعد الاتحاد الأوروبي الحالية تمنع تداول الخدمات في المملكة المتحدة مع بلدان أخرى، وأن بريطانيا ما بعد البريكست ستعمل ويمكن أن تعمل في الواقع على وضع قوانين تنظيمية من أجل تعزيز تجارة الخدمات العامة إلى حد كبير.
إن حصل ذلك، قد يكون وجود سوق مشتركة كاملة في مجال السلع أفضل بالنسبة لبريطانيا من استمرار المشاركة التامة في سوق موحدة.
لا يبدو ذلك أنه أمر واضح البطلان، لكن صحته ليست واضحة أيضا. بالتالي، يجب أن يتم تقديم الحجة لتعزيز مصلحة ذلك الزعم.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES