توازن السوق النفطية ودور السعودية

|

عندما انهارت أسعار النفط بشكل خطير قبل ثلاث سنوات واجهت المملكة قرارات صعبة ومصيرية، لكن لعل أهم تلك القرارات هي العمل بحزم وعزم على استعادة التوازن في السوق النفطية، فالمشكلة أن هذا الأمر ليس بيد المملكة وحدها وهناك خلافات سياسية معقدة مع كبار المنتجين في العالم حول قضايا الشرق الأوسط التي لدى المملكة تجاهها التزامات لن تتخلى عنها ورأي لا تنفك عنه، وتجاوز تلك العقبات كلها يعني التوصل إلى اتفاق يحترمه الجميع لخفض الإنتاج من النفط ولمدد كافية وثقة متبادلة في هذا الأمر رغم الخلافات، المسألة الأخرى هو في جانب الطلب ومدى تجاوب السوق النفطية مع خفض الإمدادات فحجم المخزونات العالمية من النفط توسع بشكل كبير خلال فترات ارتفاع الأسعار، فالجميع في تلك الفترة كان قلقا من الأسعار ويتحوط بالمخزونات، وللعودة للتوازن اليوم يجب أن يعود مستوى هذه المخزونات إلى وضع يحقق التوازن للسوق، وبما يمكن المنتجين من استعادة الإنتاج بالمقدرة السابقة، لكن هذا يعني عبئا إضافيا كبيرا على كبار المنتجين بالذات، فالتخفيضات يجب أن تكون كبيرة وطويلة الأجل حتى تتقلص كل المخزونات. ولإنجاح المساعي سعت المملكة إلى الأخذ بزمام المبادرة لأنها أكبر منتجي النفط في العالم، فعملت على الالتزام بخفض الإنتاج إلى مستويات لم تشهدها المملكة منذ 30 عاما، وهذا ـــ مع تحسن الأسعار ـــ شجع باقي المنتجين على الالتزام فخفضت روسيا من إنتاجها وكذلك مجموعة دول الأوبك، ومع هذا المشهد الاقتصادي لم تستطع الحفارات النفطية في السوق الأمريكية من تعويض النقص المنظم الذي شهدته الأسواق، وبدأت الأمور تتحسن باستمرار حتى عادت أسعار النفط أمس قريبا من أعلى سعر في نحو ثلاث سنوات ولامست مستوى 70 دولارا. ومع هذه العودة للأسعار فإن التحديات لم تزل قائمة فعلا، فالمحافظة على خفض الإنتاج حتى تتقلص المخزونات بشكل كاف جدا للتوازن هي تحد جديد أمام المنتجين، فالترقب لم يزل يلف السوق وهناك من يحاول دفع المنتجين إلى خرق هذه الاتفاقيات، وهناك توقعات أن سوق النفط الخام ستستعيد التوازن بحلول منتصف العام الجاري 2018، وهذا مؤشر إلى احتمال حدوث خروج تدريجي من التخفيضات الإنتاجية الحالية واستئناف زيادات الإنتاج في دول "أوبك" وروسيا في أواخر النصف الثاني من العام، كما ظهرت أصوات تتساءل عن السعر الذي تستهدفه هذه الاتفاقيات لخفض الإنتاج وهل هناك شبح عودة الأسعار إلى الارتفاعات القصوى التي شهدتها نهاية العقد الماضي، وتساؤلات أخرى متى يبدأ المنتجون في الاستفادة من الوضع الحالي. التقارير الدولية تشير إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه منظمة أوبك في المرحلة المقبلة، يكمن في إجراء عملية توازن صعبة في السوق يتم من خلالها دعم الأسعار إلى المستوى الذي يرضي طموحات وتطلعات السوق ويفي باحتياجات الدول الأعضاء في منظمة أوبك، وتجنب الارتفاعات المفرطة وتثبيت الأسعار قدر الإمكان عند مستويات ملائمة تمكن من تفادي التسبب في ضخ استثمارات جديدة في قطاع النفط الصخري. لكن السوق النفطية معقدة جدا هذه الفترة بالذات، فالتجربة القاسية لارتفاع الأسعار في نهاية العقد الماضي جعلت المخزونات جزءا من استراتيجيات الدول وهذا يجعل العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك غير واضحة مع تداخل حجم المخزونات التي قد لا يفصح عنها كثير من الدول، وبعدما كان النمو الاقتصادي العالمي هو المحك الرئيس في أسعار النفط أصبح عدد الحفارات في السوق النفطية أحد أهم مؤشرات السوق النفطية اليوم مع تنامي نشاط النفط الصخري الذي يستغل التقلبات السعرية بشكل لافت، وهذا كله يجعل الثقة بالسوق النفطية بعيدة المنال في القريب العاجل، ويجب أن تعمل الدول على التحوط تجاه الارتفاعات الحالية فإذا كان شبح ارتفاع الأسعار قابعا أمام المستهلكين فشبح الانهيار لا يزال ظاهرا أمام المنتجين، والاتجاهات غير واضحة بعد.

إنشرها