كيف نفسر ظاهرة الأخبار المزيفة؟

|


كتبنا سلسلة مقالات عن الخوارزميات ودورها الرائد في الثورة الرقمية الحديثة. وما يميز هذه الثورة الخوارزمية أنها عارمة بكل ما للكلمة من معنى. في أقل من 30 عاما ربما لم تبق هذه الثورة منحى من مناحي حياتنا إلا وأخلت بتوازنه.
وحسب تقرير ورد في جريدة «الإندبندت»، فاق عدد الهواتف الذكية العاملة في العالم عدد البشر ومعدل نموها يوازي خمسة أضعاف معدل نمو السكان في الأرض.
ونحن، حسب الجريدة البريطانية هذه، نقترب من توافر ما لا يقل عن جهازين خلويين لكل إنسان في الأرض.
كل هذه الأجهزة وأعدادها الهائلة (نحو 15 مليار جهاز) ما هي إلا مكائن ذكية بإمكانها التواصل مع بعضها ولها القابلية على تنفيذ مهام معقدة وسحرية في آن واحد مع أو دون تدخل البشر.
بالطبع ليس هناك توزيع عادل للأجهزة هذه شأنها شأن أي ثروة بشرية أخرى. إنتاجها بالجملة وانخفاض أسعارها لم يجعلها متاحة لكل البشر، حيث هناك أكثر من ثلاثة مليارات من سكان الأرض لا يعرفون ما هي ولم يلمسوها أو ربما لم يروها في حياتهم.
وهذا معناه أن الذين يملكون هذه الأجهزة لهم سلطة على الذين لا يملكونها. والذين يملكونها، كما قلنا سابقا في هذا العمود، ينشرون ويبثون من خلال شبكات التواصل معلومات أو أخبارا أو قصصا تتماشى مع ميولهم ويهرعون إلى القصص والأخبار والمعلومات التي توائم أهواءهم.
وهذا ربما يحتم علينا كباحثين وضع نظريات أو فرضيات لتفسير هذه الظاهرة التي احتلتنا حقا. والنظرية تدرس ظاهرة بشرية أو طبيعية بغية تفسيرها ووضع اليد على المشكل فيها ومن ثم محاولة تقديم حلول لتغيير الواقع الحالي إلى واقع أفضل.
وهناك كثير من الدراسات الأكاديمية التي تتناول هذه الظاهرة، لا بل هناك دوريات أكاديمية تختص بنشر الأبحاث العلمية عنها.
ونظرة سريعة إلى هذه الدراسات تظهر لنا أنه صار بإمكاننا تفسير التواصل البشري بعد دخول الأجهزة الرقمية الذكية في حياتنا إلى درجة أن بعضنا أو ربما كثيرا منا لا يستطيع مفارقتها وكأنها عضو من أعضاء جسده.
لقد توصل الباحثون إلى أن آثار وتبعات الأخبار المزيفة في عصر التواصل الخوارزمي تصبح في كثير من الأحيان أهم بكثير من كون أن الخبر مزيف.
ما أن ينتشر الخبر يصبح من الصعوبة بمكان التخفيف من وطأته حتى إن ظهر بالدليل الثابت أنه مزيف أو مفبرك. وأظن أن كثيرا منا له نماذج لأخبار ظهر بعد انتشارها أنها مزيفة، ورغم ذلك وقعها وآثارها تظل باقية وكأنها كانت صادقة وموثقة.
وبصورة عامة نحن كبشر نفتقر إلى المهارة أو الخبرة أو التجربة التي تمكننا من فرز الخبر المزيف عن الخبر الصادق. وحتى إن ملكنا هذه المهارة تظل ميولنا في الغالب هي الرائدة.
وتظهر الدراسات أن الخبر المزيف يزيد وقعه وتأثيره كلما زاد التصاقه بسياق الأحداث التي يتطرق إليها. مثلا، الخبر المفبرك الصاعق عن موت ملكة بريطانيا اهتزت له مواقع إعلامية رصينة ومؤسسات قبل كشفه، أي قبل أن يتصل الناس بالقصر الملكي الذي نفى الخبر.
ولكن ما كان للخبر المزيف هذا أن ينتشر ويتقبله الناس لو لم تكن ملكة بريطانيا قد بلغت من العمر عتيا وحدث أنها غابت عن نشاط رسمي بسبب وعكة صحية.
والنظريات تميز بين مكانة المستهدفين في السلم الاجتماعي وسلم السلطة. لو كان المستهدفون في خانة الضعفاء من الناس أو المؤسسات أو حتى الحكومات لخسروا قضيتهم واستسلموا لوقع وتأثير الأخبار المزيفة.
والنظريات في هذا الصدد تقول إن الناس نادرا ما يثيرون أسئلة نقدية عن الأخبار والمعلومات التي توائم ميولها ووجهات نظرها، بينما تضع ما يعاكسها أو يتعارض مع ميولها من أخبار أو معلومات مزيفة كانت أو غيره تحت مطرقة النقد.
وتوصلت الدراسات والنظريات إلى أننا نادرا ما نطبق مبادئ النزاهة منها الدقة والتوازن والحيادية والعدالة عند التعامل مع الأخبار المزيفة وعلى الخصوص التي فيها تلبي المعلومة مصالحنا وتستجيب لميولنا وتعزز وجهات نظرنا.
أمام وضع كهذا، صار أمر وضع أطر نظرية وفرضيات جرى التحقق منها تجريبيا من الأهمية بمكان كي يكون بمستطاع الناس استخدامها لقياس مدى مصداقية وصحة المعلومات والأخبار.
هذه بعض الأفكار والنظريات التي يتم تداولها حاليا في أروقة البحث الأكاديمي في علوم الإعلام والتواصل لخصتها للفائدة العامة.

إنشرها