حرب تجارية أمريكية ـ صينية

|


يقلل المراقبون كثيرا من إمكانية اندلاع حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين. لأسباب عديدة، أولها، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المعروف بأنه من أكثر الرؤساء إيفاء بوعودهم (بصرف النظر عن سلبية أو إيجابية هذه الوعود)، لم يحرك ساكنا في أمر الحرب التجارية على الصين. إلى جانب طبعا، أن العلاقات بين واشنطن وبكين ليست سيئة بما يضمن حدوث هذه الحرب. صحيح أنها تتوتر حول هذه القضية أو تلك، لكن ممرات العلاقات مفتوحة على مصاريعها. يضاف إلى ذلك، أن التوتر التجاري بين الطرفين لم يظهر في الواقع في عهد ترمب، بل يعود لسنوات طويلة تشمل إدارات أمريكية سابقة. مع ضرورة الإشارة هنا، إلى أهمية العلاقات بين الجانبين بشكل عام على صعيد مواجهة الأزمة المستفحلة مع كوريا الشمالية.
عوامل كثيرة منعت انطلاق الحرب التجارية التي توقعها البعض منذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض، علما بأنه من المتوقع أن تفرض رسوم جمركية جديدة على التجارة بين البلدين، إلى جانب ما هو موجود من رسوم منذ عقود. أي أن الأمر لا يرقى لحرب تجارية. والحق أن الحكومة الصينية، اتخذت في العام الماضي سلسلة من الإجراءات على صعيد العملة الوطنية، وذلك في إطار الرد على اتهامات إدارة ترمب بأنها (أي الصين) تتلاعب بعملتها من أجل رفع مستوى التصدير الهائل. وهذه النقطة التي ركز عليها الرئيس الأمريكي خلال حملته الانتخابية، لم يعد أحد من إدارته يتحدث عنها. وكما هو معروف، فإن التلاعب بالعملات من أكثر العوامل التي تدفع لنشوب حروب تجارية.
البعض يتساءل عما إذا كانت هناك حرب تجارية فعلا بين الولايات المتحدة والصين في الخفاء، لكن واقع الحال يقول غير ذلك، وما هو موجود بين الطرفين نوع من أنواع الصراعات حول التجارة، وهذا يعود إلى سنوات طويلة، وليس الآن فقط. ومن هنا، فإن الحديث عن حرب تجارية سرية أو معلنة أو غامضة ليس واقعيا، رغم الاعتراف بأن العلاقات التجارية بينهما ليست جيدة بما يكفي. دون أن ننسى، أن إدارة الرئيس ترمب، اتخذت سلسلة من المواقف، وبعض الإجراءات التجارية ضد عدد كبير من البلدان، بما فيها الشركاء الرئيسون التاريخيون للولايات المتحدة نفسها. بل إنها تدخلت في أزمة انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لمصلحة الانسحاب بالطبع، مستندة إلى مواقف ترمب الأحادية.
هل يتحمل العالم حربا تجارية بين الولايات المتحدة والصين الآن؟ العالم يتحمل كل شيء بالطبع، ولكن لا يمكنه منع تبعات هذا الشيء أو ذاك. علما أن تصادم أكثر اقتصادين عالميين قاطبة سيؤثر بصورة سلبية وأحيانا خطيرة في صنع القرار الاقتصادي العالمي، ناهيك عن عضويتهما في مجموعة العشرين. بالطبع لا توجد ضمانات لعدم اندلاع حرب تجارية بين واشنطن وبكين. فالمواقف الأمريكية الأحادية لا تزال حاضرة على الساحة. لكن يبدو أن هناك أولويات للإدارة الأمريكية أهم كثيرا في هذه الأيام من العمل على شن مثل هذه الحرب. وفي مقدمة هذه الأولويات احتواء الأزمة الكورية الشمالية المتعاظمة، ووجود مسؤولين في إدارة ترمب نفسها يعتقدون أن أي حرب من تلك المشار إليها لن تكون في مصلحة الولايات المتحدة نفسها. مع ضرورة الإشارة، إلى أن أصدقاء الولايات المتحدة التجاريين ليسوا كثيرين، مع نظرة ارتياب واضحة تجاه واشنطن حتى من أقرب حلفائها.

إنشرها