ثقافة وفنون

الصحافة السعودية .. بين سندان سرقة المحتوى ومطرقة التمويل

صرخة مدوية تلك التي أطلقها الزميل خالد المالك، رئيس هيئة الصحفيين السعوديين ورئيس تحرير صحيفة "الجزيرة"، حينما حذر من الخطر الذي تواجهه الصحافة الورقية، وما يترتب على ذلك من خسائر مباشرة على الدولة والأفراد.

صوت وطن

شهد الأسبوع الماضي شدا وجذبا حول ملف الصحافة الورقية، لكن الكفة رجحت نحو كفة الحفاظ على الصحافة، ودعمها كونها صوت الوطن، وسلاحا مهما لخدمة القضايا الوطنية والدفاع عنها، ونشر الثقافة والمعرفة، وقوى ناعمة تتحلى بالموثوقية والمصداقية، التي قد لا تتوافر في منصات التواصل.
ولعل التطور التكنولوجي والتقنية الحديثة وما أحدثته من طوفان في العالم، ودورها في توفير مصادر المعلومات ، هي السبب الرئيسي في التحديات التي تواجهها الصحافة الورقية، التي صنعت رأياً عاماً طوال السنوات الخمسين الماضية، وانحازت نحو قضايا وطنها وطرحتها بشكل متوازن وبنّاء.

تجربة ناجحة للأردن

لقد حدد الزميل خالد المالك مشكلة الصحافة الورقية في انحسار الإعلانات، مطالباً بالدعم المالي من الدولة، وهو تماماً ما أقدمت عليه الأردن، حينما دعمت صحافتها الورقية خلال العام الماضي بقرار وزاري جريء، لقي صدى واسعاً في الأوساط الإعلامية العربية، حينما أصدرت الدولة قراراً برفع أسعار الإعلان الحكومي في الصحف اليومية بنسبة 120 في المائة، لتخفيف الأعباء المالية على الصحف، والحفاظ على دور تلك المؤسسات الصحافية العريقة.
عالمياً، نجحت بعض الصحف العالمية في إيجاد مخرج لأزمتها، عبر فرض رسوم على تصفح نسختها الإلكترونية، وحلول أخرى قللت من أعبائها المالية، لكن ذلك لم يمنع صحفاً عريقة مثل صحيفة "الإندبندنت" البريطانية من توقف طبعتها الورقية، فيما ألغت صحف أمريكية طبعتها الورقية مثل صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية التي تحولت إلى صحيفة إلكترونية، وأخرى قللت من عدد النسخ المطبوعة.
عربياً، لم تكن الأوضاع أفضل حالاً، ففي لبنان، توقفت صحيفة "السفير"، وتأثرت صحف أخرى بالأزمة، فيما تتطلع بقية الصحف لحلول خارج الصندوق بترقب وحذر.
تدخل صندوق الاستثمارات

ضجت الصحافة الورقية بمقالاتها وتقاريرها حول حجم المشكلة، وكذلك منصات التواصل، وتناولت آراءً مختلفة حول طرق دعم الصحافة الورقية بهدف الحفاظ عليها، ولعل أبرزها من أورده كتاب وإعلاميون من حل يكمن في استحواذ صندوق الاستثمارات العامة على الصحف، أو الدعم المالي المباشر، لإنقاذها من التوقف، وهو المصير الذي واجهته إحدى الصحف الرياضية المحلية العام الماضي، كبداية لهذا الخطر المحدق.
وتناول صحافيون في طرحهم هذا، كيف أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يعد صديقاً للإعلاميين والكتاب، ويقدّر دور الصحافة المعرفي، حتى أصبح يعتبر الأب الروحي للصحافيين، والداعم الأكبر لهم طوال نصف قرن، والأقرب لهم، داخل المملكة وحتى خارجها.

دعم عالمي للصحافة

في الولايات المتحدة، حينما حلت الأزمة الاقتصادية، أعلنت مؤسسات اقتصادية وإعلامية عريقة إفلاسها، لكن الاتحاد الفيدرالي والبنك المركزي هبا لنجدتها، إنقاذاً لسمعة الاقتصاد الأمريكي، وفي المملكة، الأمر سيان، فبحسب مثقفين؛ الصحافة الورقية هي سمعة الوطن، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تتوقف عن الصدور.
وقد سبقت الحكومة البريطانية حينما أصدرت قراراً بعدم إلزام الصحف بدفع ضرائب على المبيعات، كما توفر لها تخفيضاً على مصاريف النقل وغيره، أما فرنسا، فقدمت دعماً بما يزيد على 700 مليون يورو، بحسب وزارة الثقافة الفرنسية، خشية من فرنسا على ثقافتها وقيمها، حيث يرى صحافيون أن صحفاً عريقة مثل الفيجارو ولو موند لو أفلست لاضطر القارئ لقراءة صحيفة أنشأها تاجر متطرف أو أجنبي لا يؤمن بمبادئ الثورة الفرنسية مثلاً.

خطوات تطويرية

ويرى بعض الصحافيين والمتابعين للشأن الإعلامي ضرورة تطوير الصحافة الورقية لتواكب رؤية 2030، واتخاذ قرارات جريئة في تخفيف المصروفات، والبحث عن مصادر دخل أخرى، وتطوير المحتوى لكسب القراء، وبالتالي كسب المعلن.
ومن شأن الخطوات التطويرية هذه أن تعيد للصحافة الورقية وهجها، كما أن التطوير المستمر لا بد أن يرتقي بالصحيفة ويدعمها مالياً بشكل مباشر وغير مباشر، وهو ما يذكر بما قامت به وزارة الثقافة والإعلام من خطوات تطويرية، حينما أقرت مشروعاً تطويرياً للقنوات التلفزيونية السعودية، وتطوير البرامج، وإعادة الهيكلة، وتقليص المصروفات، وتطوير المحتوى بحيث تكون البرامج شيقة ومفيدة ومؤثرة، ما يزيد حجم المشاهدات ويزيد نسبة الإعلانات، فتستغني عن الدعم الحكومي.
وقد أقدمت صحيفة "فاينانشيال تايمز" على عدد من الخطوات التطويرية، حتى أصبح لديها عدد قراء أكثر من أي وقت مضى، بسبب موقعها الإلكتروني الذي فرضت اشتراكا لدخوله.
على الجانب الآخر، يرى إعلاميون أن الصحافة الورقية تواجه مشكلة تسويق المحتوى، وقالوا إن الصحافة الإلكترونية توجه "صفعات" إلى الصحافة الورقية، بسبب سرقة الأخبار من الصحف الورقية، دون أن تواجه أي عقوبات من وزارة الثقافة والإعلام.

10 مليارات

طوال حياتها، واجهت الصحافة الورقية أخطاراً وتهديدات، تارة من التقنيات الحديثة، وأخرى من الحركيين، وبعض التيارات التي ترى ضرورة إسكاتها، لتفشل في مهمتها وتنتصر المعرفة.
لكن ذلك كله، لم يمنعها من أن تكون جزءاً لا يتجزأ من السوق الإعلامية السعودية، حيث إن الصحافة الورقية لها نصيب كبير من كعكة الإعلام السعودي، الذي يبلغ نحو 10.46 مليار ريال، وذلك استناداً إلى إحصائية حديثة للهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع، نشرتها عبر حسابها على تويتر قبل أيام، في حين تتوقع الهيئة أن تصل إلى 16.34 مليار ريال في نهاية عام 2021م.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون