الناس

عبدالله بن إدريس .. «ثروة وطن» ألهم الملوك ورقق قسوة الصحراء

غادر الأديب الشاعر عبدالله بن إدريس العناية الطبية المركزة قبل يومين، طالبا من أبنائه مناولته "القرآن" رفيق صحته ومرضه، لتكون حروف المصحف أول ما تشهده عيناه بعد عارض صحي ألمّ بـ "ثروة وطنية"، كما وصفه الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، عند تكريمه ابن إدريس، في محفل جماهيري سابق، موصيا أبناءه ومرافقيه بالحفاظ عليه والاهتمام به.
ابن إدريس المولود قبل أكثر من 90 عاما في حَرْمة سدير شمالي الرياض، حظي بالسلام على الملك عبدالعزيز، ودعائه له بالتوفيق والبركة، في طريقه إلى درسه اليومي على يد الشيخ محمد بن إبراهيم في جامع الإمام تركي في الصفاة، كما رافق الملكين سعود وفيصل شابا، إلى أن زامل الملك فهد في وزارة المعارف موظفا ورجل دولة.
وصولا إلى إشادات متكررة ومتواصلة بشعره وأدبه من رجل الثقافة والتاريخ الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي حضر - على طريقته الخاصة والمحببة - احتفالا عائليا تكريميا، ليتوج الملك الأديب بنفسه، عبر كلمة قال عنها وعن تشريف الملك حينها الشاعر ابن إدريس "هي بمنزلة جائزة الدولة التقديرية".
وعبدالله بن إدريس ثروة، لأنه من جيل وطني، جمع الشريعة والأدب والشعر وكافة العلوم دون تعارض في ثوب واحد، ليقدم لنا هذا الجيل رجال دولة مخلصين كفوئين على مستوى الإدارة وغزيرين على مستوى الفكر والثقافة. ولعل مؤلَف ابن إدريس الأشهر "شعراء نجد المعاصرون" الصادر في ستينيات القرن الماضي، الذي استطاع فيه أن يجمع شعراء نجد المعاصرين في كتاب موثق بالمعلومة والرأي والدراسات الأدبية والفنية لقامات أمثال: عبدالله بن خميس وعبدالله بن بليهد وعبدالكريم الجهيمان وإبراهيم الدامغ، خير شاهد على عمل وطني تاريخي، لا يقف عند حدود الذات والتخصص، ففيه من العمل البحثي اللغوي والتوثيقي ما فيه.
فضلا عن أن مؤلفه الشاب كان واضحا في نبل مقصده وعظيم غايته بتحقيق الفائدة المرجوة من هذا الكتاب، إذ جاب الدول العربية والإسلامية في رحلاته المجدولة رسميا والخاصة، معرفا نخب البلدان المجاورة آنذاك بشعراء وطنه ومنطقته. لتُكتب في هذا المنشور وشعرائه عديد من المقالات الصحفية العربية المهمة.
كيف لا يأتي هذا النشاط والعمل الدؤوب والأديب عبدالله بن إدريس هو من تنقل على مستوى العمل الوطني بين محطات متنوعة جامعها الثقة في شخصه وفكره وعطائه، ليرأس النادي الأدبي في الرياض سنوات متلاحقة شهدت حقبة مميزة من أكثر الحقب نشاطا أدبيا وشعريا، امتدت أصداؤه خارج حدود المملكة العربية السعودية.
كما ترأس ابن إدريس في شبابه المفعم بالإنتاجين الأدبي والوطني عملا إعلاميا عابرا للحدود الوطنية، بقيادته جريدة الدعوة التي أصبحت فيما بعد مجلة الدعوة، مقدما برفقة محرريه عملا إسلاميا في توجهه الصحفي، وسطيا في قيمه الدينية، الساعية إلى الذب عن السلفية المعتدلة، جامعا كلمة الأمة على سواء التقدم والصلاح، بشهادة الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز، الذي أثنى عليها، قائلا "إن "الدعوة" ترسم الطريق السوي القويم إلى ميادين الإصلاح".
أما الجانب الإنساني للأديب الشاعر عبدالله بن إدريس فقد كان عامرا بالمواقف المميزة وفاء وإبداعا. ليس آخرها وإن كان أميزها موقفه من زوجه رفيقة العمر التي لم ينسَها من السؤال والثناء والدعاء حتى في أوج وعكته المرضية السابقة، كاتبا لها قصيدته المؤثرة والمعبرة في آن "أأرحل قبلك أم ترحلين". إذ تزامن مرضهما ذلك الوقت مع تنويم متباعد في مستشفيين مختلفين.
وعن هذه القصيدة يقول الراحل غازي القصيبي، "لعلها أول وأجمل قصيدة رومانسية كتبها شاعر من صحراء نجد في زوجته، في بيئة ثقافية نجدية لا يكاد الزوج فيها يسامر زوجته داخل بيته فكيف يفعل ذلك شعرا وأمام الملأ؟!"، وتبقى الإجابة الدائمة عن هذا السؤال وغيره من الأسئلة حول حياة الرجل وموقفه واحدة.. إنه الأديب الاستثناء عبدالله بن إدريس.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من الناس