أخبار اقتصادية- عالمية

حرب عالمية صامتة للعملات .. ضعف للدولار وصعود لـ «الناشئة»

بعد أن بلغ الدولار الأمريكي أدنى مستوى له منذ ثلاث سنوات خلال الأيام الماضية، أفلح أمس في إظهار درجة ملحوظة من الاستقرار، وفي الواقع فإن الدولار كان دائما محط أنظار الجميع، ليس فقط لما يحظى به من مكانة دولية بين العملات، لكن أيضا لأن التطورات التي مرت بها العملة الأمريكية العام الماضي، فتحت الباب على مصراعيه لتكهنات متباينة بشأن سعر الصرف المتوقع هذا العام، وعلاقة العملة الأمريكية بغيرها من العملات الدولية وتحديدا اليوان الصيني، وكذلك عملات الاقتصادات الناشئة التي تحقق نجاحا تلو الآخر.
بدأ الدولار العام الماضي قويا، مدعوما بوعود دونالد ترمب، الرئيس الأمريكي، بإصلاح ضريبي، وإنفاق تريليون دولار لتطوير البنية التحتية، أملا في أن ينجح بذلك في إنعاش الاقتصاد الأمريكي، مع هذا انتهى عام 2017 بانخفاض العملة الأمريكية بنسبة بلغت 10 في المائة.
بطبيعة الحال لا يعد انخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي في مواجهة العملات الدولية الأخرى سلبيا بالضرورة على مجمل جوانب الاقتصاد الأمريكي، اذ يساعد تراجع قيمة العملة الأمريكية على تحسين ميزان المدفوعات وزيادة الصادرات والسياحة، ويعزز جاذبية الاقتصاد الأمريكي للاستثمارات الدولية المباشرة.
ومع ذلك فإن المسار الراهن للدولار منذ بداية عام 2018، يكشف عن تواصل اتجاه الانخفاض السائد منذ عام 2017، وسط توقعات أن يحقق اليورو والعملات الرئيسة الأخرى مكاسب متواضعة في مواجهة العملة الأمريكية تحديدا خلال هذا العام.
وخلال استطلاع آراء مجموعة من المختصين والمصرفيين حول التوقعات الخاصة بسوق العملات في عام 2018، قال لـ "الاقتصادية" آر. إل . بول، المختص المصرفي، "إن أداء الدولار بصفة عامة لن يكون جيدا هذا العام، وهبوط العام الماضي سيتواصل كاتجاه عام، لكن ارتفاع أسعار الفائدة والقيود المتزايدة للفيدرالي الأمريكي على السيولة، قد تدفع إلى تحسن وضعية الدولار في النصف الثاني من العام الجاري، خاصة في الأشهر الأخيرة، حيث تبدأ تلك الإجراءات في إتيان مفعولها. من جانب آخر سيساعد نمو الاقتصاد العالمي على ارتفاع أسعار السلع والمواد الخام الأولية ما يعني تحسنا في أداء عملات الاقتصادات الناشئة".
وعن مستقبل اليوان الصيني خلال هذا العام، خاصة في مواجهة الدولار علق قائلا، "في بداية العام الماضي كان اليوان ضعيفا بشكل مصطنع، لكن الضغوط الأمريكية وانعقاد المؤتمر العام للحزب الشيوعي الصيني أدت إلى تعزيز بنك الشعب الصيني "البنك المركزي" قيمة اليوان، والمتوقع أن يرتفع سعر صرف العملة الصينية في مواجهة الدولار بنحو 7 في المائة هذا العام، وهذا يهدئ ضغوط الإدارة الأمريكية على بكين، ويعزز جهود الصين في إحلال اليوان عملة دولية بديلا عن الدولار، لكن ذلك سيتم بحذر شديد خشية انفجار الوضع إلى حرب عملات شرسة".
من جانبه، يرى الدكتور جون ميسون، أستاذ التجارة الدولية، أن العام الجاري عام العملات الناشئة بلا منازع، قائلا "محافظة الاقتصاد الصيني على معدلات نمو مرتفعة، والنمو الصاروخي للاقتصاد الهندي، وتحسن أداء الاقتصاد الأمريكي، وارتفاع وتيرة نمو الاقتصاد الدولي، جميعها عوامل تصب في مصلحة عملات الاقتصادات الناشئة".
وأضاف، "أداء الدولار الأمريكي العام الماضي كان الأسوأ منذ 14 عاما، بينما أداء عملات الاقتصادات الناشئة كان الأفضل منذ عام 2013، ويعزز الموقف الإيجابي لصناديق التحوط من الأوضاع الاقتصادية في الأسواق الصاعدة وعملاتها هذا العام من قدرات تلك العملات على تحقيق ارتفاعات ملحوظة، ويمكن أن نشاهد تحسنا ملحوظا في قيمة العملة المكسيكية، لأنها مقيمة بأقل من قيمتها، بسبب المخاطر الناجمة عن الانتخابات، وكذلك إعادة التفاوض بشأن الصفقات التجارية مع الولايات المتحدة وكندا، كما أن الروبل الروسي والريال البرازيلي وعددا من العملات الآسيوية مرشحة لمزيد من الارتفاع هذا العام".
لكن ما التوقعات بشأن العملات الدولية الأخرى مثل الاسترليني واليورو والين؟
بدوره، قال أندروا بي، الباحث الاقتصادي في بنك إنجلترا، "بالنسبة إلى الاسترليني يصعب التكهن بوضعه هذا العام في الوقت الراهن. فيمكن أن يشهد ارتفاعا وتحسنا في الأداء، على وقع تحولات غير متوقعة في النغمة التي يتحدث بها بنك إنجلترا عن رفع أسعار الفائدة، وكذلك حديث السياسيين عن احتمال إجراء استفتاء ثان على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، تلك العوامل تصب في مصلحة عملة بريطانية أكثر قوة، لكن إذا منيت المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بخيبة أمل، وانسحبت مصارف ومؤسسات مالية واقتصادية من لندن واتجهت صوب فرانكفورت في ألمانيا، فإن الاسترليني سيعاني بشدة، لهذا فإن النصيحة الاقتصادية تتطلب منا في الوقت الراهن التريث في المضاربة على العملة البريطانية بسبب القوى المتضادة التي تتحكم فيها".
أما عن اليورو والين، فيعلق قائلا، "تقديرات صناديق التحوط بشأن قدرة اليورو على تحقيق مكاسب العام الماضي كانت خاطئة. لكن خلال الأسبوعين الماضيين فإن الصورة تبدو إيجابية لليورو بصفة عامة، فمنطقة اليورو تتجه إلى مزيد من الاستقرار السياسي، وسط تعزيز للنمو الاقتصادي فيها، وستساعد اتفاقيات التجارة الحرة مع كندا واليابان على ارتفاع قيمة اليورو، كما أن أغلب التوقعات تؤكد أن هذا العام سيشهد تقليصا لسياسة التيسير الكمي التي يضخ فيها البنك المركزي الأوروبي نحو تريليون يورو سنويا، وهذا يعني أن اليورو سيصعد في مواجهة الدولار والاسترليني، لكن من المرجح أن يشهد انخفاضا خلال النصف الأول من العام، قبل أن يسير في اتجاه منحنى الصعود.
أما الين الياباني فقد عانى عاما سيئا العام الماضي، إذ انخفض 9 في المائة في مواجهة العملة الأوروبية الموحدة و5 في المائة أمام الاسترليني وحافظ على موقفه في مواجهة الدولار، لكن من المرجح أن يرتفع هذا العام، لتحسن أداء الاقتصاد الياباني واتفاق التجارة الحر مع الاتحاد الأوروبي".
إلا أن المشهد الراهن لتوقعات المختصين بشأن وضع العملات المختلفة في عام 2018، لا ينفي تخوف البعض من إمكانية بروز حرب عملات صامتة، قد تلجأ إليها الاطراف المختلفة، في محاولة لتعزيز الأوضاع الاقتصادية الداخلية بزيادة الصادرات، إلا أن تصريحات محافظي البنوك المركزية في العالم، لا تزال حتى الآن حريصة على تأكيد تفادي تلك الحرب بأي ثمن في الوقت الحالي على الأقل.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية