في إيران الفساد بعمر «الثورة»

|

"الفساد هو شكل من أشكال الاستبداد"
جو بايدن ــ نائب رئيس الولايات المتحدة السابق

لنائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن سلسلة من الأقوال الخاصة بالفساد، تنطبق جميعها على النظام الإيراني. من بينها "محاربة الفساد ليس فقط جلبا للنزاهة، بل هي أيضا دفاع عن النفس، ووطنية". ويرى الشاعر والمغني الأمريكي الشاب كورت كوبيان أن "واجب الشباب تحدي الفساد". وهذه الآفة موجودة في كثير من البلدان بصورة مستترة، غير أنها ليست كذلك في بلد كإيران. إنها ظاهرة على الساحة بصورة مفضوحة. كيف لا؟ وقد أصبح للفساد هناك مؤسسات! هذا البلد الذي بإمكانه أن يكون مكانا أفضل للعيش بالنسبة لشعبه، وخصوصا شريحة الشباب الأكبر فيه. وبمقدراته وثرواته يستطيع أن يتحدى حتى العقوبات الدولية التي فرضت عليه، للجم نظامه عن مواصلة تنفيذ استراتيجية الخراب المحلية والخارجية.
الفساد في إيران عمره أربعة عقود، هي في الواقع عمر "ثورة" لم تأت إلا بالخراب على شعبها، إضافة إلى ما جلبته من مصائب على المنطقة والعالم، من خلال تمويلها ورعايتها العصابات التخريبية الطائفية هنا وهناك، بل قيام النظام فيها بأعمال إرهابية وحروب عبثية مباشرة تستند إلى أمراض قادته المتأصلة. هذا النظام ترك كل مجال يمكنه أن يدعم اقتصاده وبالتالي مجتمعه، وتفرغ لما أطلقه عليه "تصدير الثورة"! رغم التكاليف المالية والبشرية لهذه التجارة التخريبية. وعلى الرغم من انعكاساته السلبية الخطيرة على الساحة الداخلية. ليس مهما هذا الداخل الآن وفي المستقبل! المهم أن تكون استراتيجية الخراب ماضية إلى الأمام، وأن يكون "الإمام" سعيدا بنتائجها! وكل ما يحدث من آثار سلبية في البلاد، ليس إلا نتيجة المتآمرين عليها! هذا بالضبط المرض الذي يعانيه "الولي الفقيه" وأتباعه المصابون به.
بلغ الفساد في إيران حدا دفع الرئيس حسن روحاني "وهو رئيس شكلي فقط كما هو معروف" إلى الاعتراف علنا، بأن "سرعة انهيار منازل شيدتها الحكومة نتيجة الزلزال الأخير الذي ضرب البلاد، تشير إلى وجود فساد في بنائها". هذا صحيح، والصحيح أيضا أن السبب الوحيد يعود إلى الفساد الذي يقوم عليه النظام نفسه، وروحاني واحد منه، بصرف النظر عن تلك الأوهام التي تتحدث عن "روحاني الإصلاحي". في إيران لا يوجد إصلاحي في السلطة، وإن وجد سرعان ما يصير خارجها. هذا ما حدث ويحدث أمام الإيرانيين والعالم كل يوم. بعض هؤلاء في السجون، والبعض الآخر في الإقامات الإجبارية، ومنهم من اختفوا تماما عن الساحة. إنه نظام فاسد لدرجة محاربة الفساد نظريا وعمليا. وحتى "روحاني الإصلاحي النظري" لا يأمن نظاما يؤمن به شخصيا!
جرى "تحقيق" في فساد الأبنية التي قتلت الإيرانيين جراء الزلزال، لكن دون نتائج. ولو استطاع علي خامنئي أن يحمل القتلى المسؤولية لفعل. والفساد لم يتوقف عند انهيار مبان يفترض أنها حديثة، بل تجاوزها إلى عمليات الإنقاذ التي تأخرت كثيرا، حتى بعد وصولها أظهرت أن المنقذين لا يمتلكون أي كفاءة تذكر (بشهادة السكان أنفسهم)، ما زاد المأساة رعبا إضافيا. الفساد المؤسسي بلغ قطاع الإنقاذ البشري! كيف لا؟ والكفاءة لا قيمة لها عند هذا النظام. الكفاءة الوحيدة التي يعترف بها هي أن تكون تابعا مخلصا أعمى له. أن تناصر خرابه، أن تؤيد حروبه الدنيئة، أن تدعم عصاباته الإرهابية المنتشرة في الأرجاء، أن تساعده في غسل أموال قذرة، أن تمنحه خُمس ما تجنيه. في هذا الإطار تكون مواطنا إيرانيا نموذجيا!
بات الأمر منذ سنوات مكشوفا للجميع. النظام الحاكم الفعلي للبلاد ممثلا بعلي خامنئي يسيطر على نصف الاقتصاد الوطني. وأدوات خامنئي متعددة في مقدمتها ما يسمى "الحرس الثوري" الذي يدير إمبراطورية مالية عالمية أنفق على حجمها ما بين 100 و150 مليار دولار. بالطبع لا توجد جهة بإمكانها المطالبة بالاطلاع على الأموال التي يسيطر عليها هذا الجهاز الإرهابي. وما تبقى من عوائد تذهب للحكومة لإدارة شؤون البلاد والإنفاق. لا روحاني ولا أكبر منه يستطيع أن يتحدث حول هذا الأمر، وما عليه تسيير شؤون البلاد بخرابها واحتياجاتها وعوزها ومشاكلها. وهذا ما أدى بالطبع إلى سلسلة من المصائب لا تتوقف، انطلاقا من ارتفاع أعداد الجوعى على مستوى إيران كلها، وزيادة نسبة أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر، ووصول أعداد العاطلين عن العمل إلى مستويات فلكية. ناهيك طبعا عن الفضيحة الأكبر، وهي تحول شريحة من الإيرانيين أنفسهم إلى سكان للكهوف!
حتى العوائد التي حققتها إيران في أعقاب رفع العقوبات عنها، بما في ذلك تحرير بعض الأرصدة التي كانت مجمدة، لم تحسن من الأوضاع شيئا. فالفساد (مرة أخرى) أكلها، إلى جانب تحويلها مباشرة لتمويل حروب النظام في العراق وسورية واليمن، ورعاية المنظمات والعصابات الإرهابية. هي أمراض قيادة ليس لها دواء، إضافة إلى أوهام لا تثير إلا السخرية.

إنشرها