FINANCIAL TIMES

العولمة في حداد مع رحيل الأب الروحي سذرلاند

توفي بيتر سذرلاند، الرحالة الإيرلندي الذي تمكن من إنجاح واحدة من أكبر الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف، مستخدما أسلوب مسؤول المزاد لتأمين "جولة أوروجواي" وهي الجولة الثامنة من المفاوضات التجارية المتعددة في عام 1994. كان عمره 71 عاما.
أثناء شغله منصب رئيس منظمة الجات Gatt (الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة)، أقنع سذرلاند 123 بلدا بالموافقة على القواعد الجديدة المتعلقة بالزراعة والمنسوجات، إضافة إلى الخدمات والملكية الفكرية وآلية حل النزاعات التجارية.
ميكي كانتور، ممثل التجارة الأمريكي آنذاك، وصف الرجل الإيرلندي بأنه الأب الروحي للعولمة، قبل فترة طويلة من اكتساب هذا المصطلح دلالته السلبية الحالية.
قالت أسرة سذرلاند في بيان لها إنه توفي في المستشفى في دبلن يوم الأحد، فقد كان مريضا منذ فترة من الزمن. ليو فارادكار، رئيس وزراء إيرلندا، أشاد بسذرلاند قائلا إنه كان "رجل دولة بكل معنى الكلمة: رجل إيرلندي، وأوروبي ملتزم وأممي فخور". كما قال فارادكار: "طوال حياته، كان بطلا يدافع عن الحريات الفردية والاقتصادية".
كنائب عام إيرلندي سابق ومفوض لإيرلندا في بروكسل، تنحى سذرلاند في عام 1995 من منصب رئيس منظمة التجارة العالمية، التي خلفت منظمة الجات، واستخدم اتصالاته لإطلاق مهنة ثانية في عالم الأعمال.
ترأس شركة بريتيش بتروليوم، أكبر شركة في المملكة المتحدة، من عام 1997 إلى عام 2009، وترأس بنك جولدمان ساكس الدولي، الفرع العالمي لبنك الاستثمار الأمريكي في مقره في لندن، من عام 1995 إلى عام 2015. اعترف سذرلاند بمعرفة القليل حول الأعمال، لكنه اعتبر دوره بمصلح دبلوماسي رفيع المستوى، مستخدما معرفته بالحنكة السياسية لمساعدة الشركات في إبرام الصفقات والابتعاد عن المتاعب.
كرجل متأصل في الربط الشبكي، كان على معرفة قوية بالرؤساء ورؤساء الوزارات. كما حظي أيضا بعقلية المحامي الشرعي، وامتلك المهارات الأساسية التي تميز المفاوض الجيد: الصبر والسحر والصرامة عند الحاجة.
كما بدا أيضا أنه يمتلك موهبة الاقتراب من الأمور المثيرة للجدل دون التأثر بها، فقد كان عضوا غير تنفيذي في مجلس إدارة رويال بانك أوف اسكوتلاند من عام 2001 إلى عام 2009، خلال فترة صعود البنك وسقوطه المذهل بعد ذلك، وشبه الانهيار الذي تعرض له أثناء فترة رئاسة فريد جودوين.
ترك العمل في شركة بريتيش بتروليوم في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2009 قبل أشهر فقط من كارثة "ديب ووتر هورايزون" في خليج المكسيك، التي أسفرت عن مقتل 11 شخصا وأدت إلى تكاليف قانونية هائلة.
كما كان أيضا في خيمة الزعيم الليبي الراحل القذافي عندما وقع رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير اتفاقية الغاز المثيرة للجدل لشركة بريتيش بتروليوم في عام 2007. كما كان متورطا في القضية الشائكة التي اندلعت عندما اتضح أن كلية لندن للاقتصاد، التي كان رئيسا لمجلس إدارتها، حصلت على هدية من سيف القذافي، نجل الزعيم الليبي. أدت تلك الأمور إلى تنحي الرئيس التنفيذي لكلية لندن للاقتصاد هوارد ديفيز، وليس سذرلاند.
يقول النقاد إنه كان بإمكانه فعل المزيد في شركة بريتيش بتروليوم لكبح جماح جون براون، الرئيس التنفيذي الذي ترأس خلال فترة زمنية امتازت بالنمو السريع، لكنه اتهم بوجود ثغرات في السلامة أدت إلى حصول سلسلة من الحوادث الصناعية، بما في ذلك انفجار في مصفاة مدينة تكساس في عام 2005 أودى بحياة 15 شخصا.
وكان سذرلاند هو الذي أرغم لورد براون في النهاية على التنحي، لكن ما يدل على العلاقة المتأزمة بينهما بعد أن عملا مع بعضهما البعض لأكثر من عقد من الزمن، أن سذرلاند لم يرد له ذكر عندما كتب لورد براون مذكراته.
ولد بيتر دينيس سذرلاند في دبلن في عام 1946. وهو ابن لرجل مبيعات كان يعمل في مجال التأمين، وتعلم على يد اليسوعيين في كلية جونزاجا، واحدة من المدارس الرائدة في إيرلندا.
بعد دراسة الحقوق في كلية دبلن الجامعية، انضم للجيش الإيرلندي حيث عمل وهو محام شاب في محاكمة الأسلحة في عام 1970، ودافع بنجاح عن جيمس كيلي، ضابط في الجيش الإيرلندي متهم بشحن الأسلحة إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي. كما كان أيضا من بين الذين دافع عنهم وزير المالية ورئيس الوزراء الإيرلندي المقبل تشارلز هوجي.
تعامل سذرلاند مع السياسة بشكل ضئيل، ولم ينجح في ترشحه لدخول البرلمان ممثلا لحزب فاين جايل من يمين الوسط في عام 1973 في شمال غرب دبلن.
جاريت فيتزجيرالد، رئيس وزراء حزب فاين جايل الذي كان في السابق معلمه في كلية دبلن الجامعية، عينه في منصب المدعي العام في عام 1981، أثناء ذروة الاضطرابات التي وقعت في شمالي إيرلندا. ومن ثم أرسله إلى بروكسل، حيث كان أصغر مفوض أوروبي يشارك منذ أي وقت مضى في سن الـ 38.
كانت الفترة التي قضاها مسؤولا عن السياسة التنافسية في الاتحاد الأوروبي هي التي شكلت آفاقه السياسية، حيث تطور لديه اعتقاد دام طيلة حياته بأن التعاون المستند إلى القواعد بين البلدان، هو الوسيلة الأفضل لتجنب الميركنتيلية التي كانت سائدة في الماضي.
مثل الآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، كان يعتبر أن أوروبا هي بالدرجة الأولى مشروع أخلاقي، وجادل بأن مزيدا من التكامل هو وسيلة لضبط النزعة القومية التي شوهت التاريخ الحديث للقارة.
وقال في عام 2016: "دائما ما كنت أؤمن بترويض النزعة القومية. لقد رأيت كثيرا منها فوق الحد في بلادي".
قال جان كلود يونيكر، رئيس المفوضية الأوروبية: "كان بيتر سذرلاند علامة على القيم الجوهرية للروح الأوروبية في عمله اليومي، وكان مقتنعا أنه من خلال العمل الجماعي والتعاون، يمكن إنجاز أمور عظيمة".
العولمة بالنسبة لسذرلاند كانت وسيلة لتمكين الفقراء، لكنه كان يبدو في بعض الأحيان غير مبال بالضغوط التي كان يعترك بها السياسيون من عواقب العولمة.
كان ذلك واضحا عندما ظهر أمام لجنة مجلس اللوردات في عام 2014، وفاجأ أعضاء المجلس حين أشار إلى أن جزءا من مهمة الاتحاد الأوروبي هي في "تقويض التجانس" بين البلدان الأعضاء، من خلال الترحيب بدخول أعداد أكبر من المهاجرين.
كما كان سذرلاند أيضا أول عضو غير سويدي في مجلس إدارة شركة إريكسون، وأول عضو غير أمريكي في مجلس إدارة شركة الخطوط الجوية دلتا. كان يعمل كمستشار لعائلة فالنبيرج السويدية، وحصل على لقب الفروسية الفخري في عام 2004 بسبب الخدمات التي قدمها لقطاع التجارة البريطاني.
أحد المناصب التي كان يعتز بها بصفة خاصة هي منصب المساعد الاقتصادي للفاتيكان، حيث كان يلقب بمستشار الفئة غير العادية لإدارة تراث القاصد الرسولي.
في النهاية، ربما أدى عدم حصوله على مناصب عليا في موطنه في إيرلندا على عدم نيل المنصب الذي كان يطمح إليه - منصب رئيس المفوضية الأوروبية، الذي ورد اسمه لإشغاله خلفا لجاك ديلور في عام 1995.
المبادرة السياسية التي قال إنه كان فخورا بها جدا كانت برنامج التبادل الطلابي إرازموس، الذي أُدخِل عندما كان مسؤولا لفترة زمنية قصيرة عن ملف التعليم في مجلس وزراء ديلور في عام 1986.
ترك وراءه زوجته ماروجا، التي قابلها أصلا عندما كانت في دبلن، طالبة ضمن برنامج تبادل طلابي مع إسبانيا، ولديه منها ثلاثة أطفال. أحد ابنيه يشغل منصبا رسميا في المفوضية الأوروبية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES