ثقافة وفنون

الأجيال الأدبية في السعودية .. صراع أم تكامل؟

قارة من الثقافات والفنون هي المملكة، تشكل إرثا معرفيا وثقافيا هائلا إن أحسنا تسويقه، وكذلك الأمر بالنسبة لإنتاج أبنائها الأدبي، الذي يشكل في مجمله تجارب أدبية متميزة لكل جيل، يتنافسون على إرضاء ذائقة القارئ أينما وجد.
التجارب المتفاوتة بين جيل وآخر تكشف عن علاقة مضطربة، قد يعتبرها البعض علاقة تكاملية، وآخرين يعتبرونه صراعا، لكنه وإن كان صراعا، فإنه يعد صراعا مشروعا. ولكن هل هذه حالة خاصة بالأجيال الأدبية في المملكة؟ أم هي حالة عالمية؟ وكيف يمكن قراءة هذا "الصراع" إن جاز لنا تسميته بذلك؟

تحولات أدبية

تعيش المملكة تحولات أدبية جلية، بفضل ما تشهده من تحولات اقتصادية واجتماعية، كما تؤرخ المرحلة الحالية لتحولات ثقافية كبرى، فالجيل الحالي أصبح يكتب ألوانا وأساليب ومواضيع من الأدب، لم يكن من السهل طرق أبوابها.
ومن هذا المنطلق، أصبحت الأجيال الأدبية السابقة تنظر إلى الإنتاج الأدبي الحالي بأنه خارج عن المألوف، يكسر الضوابط التي بقيت لعقود، في حين يرى الجيل الجديد ضرورة تجديد الطرح والأساليب الأدبية، لتتناسب مع المرحلة الحالية.
ولعل السنوات الأخيرة فرضت على المؤلفين والكتاب السعوديين فهما جديدا للحياة، أكثر انفتاحا، بسبب التطور التكنولوجي، وسهولة الوصول للمعلومة، ووجود وسائل التواصل الاجتماعي، والأحداث المتسارعة، والتحولات الاجتماعية المتلاحقة.
فعلى سبيل المثال؛ لو قارنا بين الإنتاج الأدبي لجيل الخمسينيات الماضي، وجيل الثمانينيات، سنجد بونا شاسعا في الطرح والأسلوب وطريقة المعالجة، وذلك في الدواوين الشعرية والروايات والقصص على وجه التحديد، وهو الأمر ذاته الذي يمكن لمسه حينما نقارن بين جيل عام 2018م وجيل بداية الألفية، ولو قفزنا 13 عاما إلى المستقبل، عام 2030م، سنلمس تغييرا في الإنتاج الأدبي، وربما صراعا قويا بين جيلين.

تقسيم مرحلي

لا شك أن العقود الماضية أفرزت لنا جيلا ثقافيا ذهبيا، وأسماء لامعة ومعروفة، لكن تقسيم الأجيال الأدبية بحسب السنوات ليس من أعراف المثقفين، خصوصا أن عمر الجيل الواحد 25 عاما، فيما ترتبط الأجيال الأدبية بالتحولات الحياتية، وأحيانا بأفكار كل جيل وأيديولجياته، فمثلا؛ هناك من يربط الجيل بما يسمى بـ "الصحوة"، وأحداث حرب الخليج، وظهور الإنترنت...، وكل مرحلة لها مصطلحاتها وأساليبها الأدبية، دون أن يتفق المثقفون السعوديون على تسمية محددة، لتأريخ ماضي الأجيال الأدبية.
ورغم ذك كله، فإن بقاء الأديب في دائرة الاهتمام، وانتقاله من جيل إلى جيل، مرهون بموهبته، وكتابته الجميلة وأسلوبه الاستثنائي الذي يهواه القراء.

اختلاف أكاديمي

يعكف الأكاديميون في كل العالم على دراسة الأجيال الأدبية بشكل دوري، لمقارنة ملامح كل تجربة، وتأريخ كل مرحلة، وإن كانت الدراسات السعودية في هذا المجال شحيحة.
لكن هناك اختلافا بين أكاديمي وآخر على تسمية العلاقة بين الأجيال الأدبية، حيث يجد مثقفون كلمة "تكامل" أقرب لوصف الواقع، رغم أن دراسات عدة كشفت أن الجيل القديم ينظر للجيل الجديد نظرة ترقب وريبة، فهم يرون أحقيتهم في السيطرة على الساحة الثقافية، كما يرون أيضا أن الجيل التالي لم يحافظ على منجزاته، ولم يقدر ما بذله من جهود للارتقاء بالإنتاج الأدبي والحفاظ عليه، ولا يملك من المؤهلات ما يمكنه من تسلم "الراية".
وقد عالج المجتمع الأدبي الإنجليزي هذه الظاهرة، حينما اشترط على الأديب الجديد أن يبدأ مسيرته ببحث رصين حول ظاهرة أو أديب من أدباء الإنجليز أو حتى مشاهير أدباء العالم، لتكون بمنزلة "رخصة" للأديب أن يبدأ إنتاجه، وأن يعامل كأديب محترف، غير مشكوك في كفاءته أو تقديره لمن سبقوه.

علاقة "متشنجة"

العلاقة بين الأجيال الأدبية، سواء في المملكة أو بقية دول العالم، تكشف عن "تشنج" العلاقة بين الجيل القديم والجيل الذي يليه، فالمؤلف أو الكاتب المخضرم ينتقد بكل ضراوة الأديب المبتدئ، حفاظا على منزلته ومكانته، ويرفض كل ما هو جديد بصفته قامة أدبية ومرجعية ثقافية، وفي بعض الأحيان يسيطر الأدباء "القدامى" على دور النشر ووسائل الإعلام، فيمنعون الأدباء الجدد من نشر إبداعاتهم، لكن ذلك كان من الماضي، بعد سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، التي وفرت منبرا مباشرا للأديب، وجعلت العلاقة بينه وبين القارئ أكثر قربا.
العلاقة المضطربة بين الجيلين القديم والجديد، يمكن قراءة ملامحها في الهجوم الضاري الذي شنه الشاعر الجزائري منير راجي على الروائيين الجدد في أحد مقالاته، حيث كتب: "الروائيون الجدد لا يتقنون اللغات، ولا يفقهون أبجديات الرواية، ويجهلون الميثولوجيا. تعددت الأسماء الروائية، وتعددت معها العناوين، وتعددت معها أيضا الرداءة الفكرية إلى درجة أن القارئ أصبح بمجرد مشاهدة اسم روائي جديد إلا ونفر منه، وأعتقد أن هذا خير دليل على فشل هذا النوع من الروائيين منذ البداية"، ويضيف "الروائي الذي لا يتقن أكثر من ثلاث لغات من المستحيل أن يكون روائيا ناجحا".
وفي المقابل، ينظر الأدباء الجدد إلى من سبقهم بأن أفكارهم ومفاهيمهم عفا عليها الزمن، وأنهم أدباء يجب أن يتقاعدوا، لعدم قدرتهم على التأقلم والتكيف مع التحولات الثقافية والاجتماعية الجديدة.
وبعيدا عن الهجوم المتبادل بين الأجيال الأدبية، تلوح في الأفق أيضا مبادرات فريدة من الروائيين والمثقفين والأدباء السعوديين نحو الموهوبين من الجيل الجديد، منها مبادرة الكاتب سعد الدوسري، الذي أعلن عبر حسابه على "تويتر" عن تكفله بنشر محاولات مائة كاتب وكاتبة جدد من الموهوبين بكتابة القصص القصيرة، حيث سيضمها في مجموعة بعنوان «100 قصة قصيرة سعودية» مع دراسة نقدية، لتشكل حدثا مميزا في مسيرة الأدب السعودي.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون