هل الثقافة تحفز على التحرش؟

|
في خبر أوردته صحيفة "نيويورك تايمز" ذكر أن السلطات المحلية في مدينة نيويورك فشلت في الحد من التحرش الجنسي في المرافق العامة، وفي مقار العمل، من دوائر حكومية، وشركات، بل إن الصحيفة نفسها فشلت في إيجاد بيئة عمل مناسبة للمرأة، تحميها من التحرش. ما من شك أن المشكلة ليست مقتصرة على مدينة نيويورك، بل تعانيها المدن الأمريكية، وتعانيها دول عدة في العالم. السؤال، لماذا هذه المشكلة، أي ما الأسباب التي تحرض على وجودها؟ من المهم التأكيد على أن الأمر لا يقتصر على مؤسسة بعينها تعاني المشكلة، بل الأمر مرتبط بثقافة مجتمعية، عامة، فما يوجد داخل مؤسسة عمل مهما كان حجمها يمثل انعكاسا لما يوجد على صعيد المجتمع، وعندما نشير إلى دور الثقافة نعني بذلك كل ما له علاقة بالمغريات، والمحفزات، كالزينة، والملابس، والعطور التي تجعل المرأة محل تحرش من زميل عمل، أو من عابر سبيل في الطريق. قرأت قبل مدة خبرا مفاده أن النساء في إحدى الدول العربية يعانين التحرش في أوساط العمل، وفي الشارع، والأسواق، حتى كتبت عنها وسائل الإعلام باعتبارها ظاهرة، وليست ممارسات محدودة في نطاق ضيق، وإذا كان الأمر كذلك في بلد إسلامي، وفي بلد غير إسلامي فلا بد من البحث عن المشتركات بين المجتمعين، التي قد تمثل سببا جوهريا لهذه الظاهرة المؤذية. من السهل رمي المشكلة على أحد الطرفين الرجل، أو المرأة، أو القول ضعف، أو افتقاد الوازع الديني، لكن هذا لا يكشف عن الأسباب الجوهرية للمشكلة. الرجل، والمرأة كلاهما لديهما غريزة الجنس التي أودعها الله في الإنسان، ليستمر التوالد، والنماء، وليحدث الاستقرار النفسي، ومن ثم الاجتماعي إذا ما تحقق الإشباع بالطرق الشرعية، بدلا من حالات التحرش، والاغتصاب، والقتل (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). عندما كنت في مرحلة الماجستير في الولايات المتحدة دعيت لإلقاء محاضرة في إحدى الثانويات وهي مدرسة مختلطة كغيرها من المدارس حسب النظام التعليمي الأمريكي. موضوع المحاضرة كان الثقافة في المملكة، حيث تناولت الثقافة بعناصرها المتعددة، من دين وعادات، وتقاليد، وشعر، وقصص، وأساطير، ودورها في تشكيل طريقة التفكير، والتأثير في السلوك، ومما تناولته كيف تؤثر الثقافة في التنظيمات العامة، وأعطيت مثالا على الفصل بين الجنسين استجابة، وتقديرا للثقافة العامة التي يحملها، ويحرص عليها جميع أبناء المجتمع، وقد تحول هذا المثال إلى مادة نقاش دسمة، وحامية في بعض محطاتها، خاصة أن الحضور خليط من أساتذة المدرسة، والطلاب، من ذكور، وإناث، وهذا يختلف عن الثقافة السائدة. كنت قد لاحظت عند دخولي المدرسة عددا كبيرا من الطالبات الحوامل وما أثار تساؤلي هل هن متزوجات أم حمل خارج الزواج؟! لم أشأ أن أجعل من موضوع الحمل مادة للنقاش أثناء المحاضرة، لكن بعد الانتهاء، والانتقال إلى مكتب مديرة المدرسة، وبحضور بعض الأساتذة رجعت للموضوع، وتساءلت بشأنه، وكيف ستواجه هؤلاء الطالبات حياة الأمومة، وهن في هذه السن، وتناول النقاش دور الثقافة، بجميع جوانبها في تشكيل القناعات، وتوجيه السلوك سواء بصورة إيجابية، أو سلبية، وأشرت في حديثي إلى رأيي بشأن الآثار السلبية لثقافة الصداقة الحميمية، أو الغرامية التي تسبق الزواج، وما تحدث من إشكاليات تتراكم مع الوقت لتوجد أجيالا لا تعيش في ظل أبوين شرعيين. وقد لمست في حينه قناعة من البعض بجدوى الفصل في المدارس بين الجنسين، خاصة في مرحلة المراهقة، وأهميته في ضبط السلوك، وتجنب الأضرار المترتبة على نظام التعليم المختلط. مرت السنون على تلك المحاضرة، ونسيت الموضوع، حتى قرأت ما نشر في الـ "نيويورك تايمز" بشأن التحرش، إذ استدعت ذاكرتي الموضوع، خاصة أن بعض المربين في الغرب بدأوا يعيدون النظر في الموضوع بجدية تصل إلى حد المناداة بالفصل تجنبا للآثار الناجمة عن التعليم المختلط. أدرك أن الفلسفة التي يقوم عليها التعليم المختلط تتمثل في تقوية الجانب الاجتماعي لدى الفرد، وتعزيز ثقته ببناء العلاقات مع الآخرين، لكن هذه الفلسفة تضعف أمام الآثار السلبية التي ترتبت عليها، وأصبحت تعاني آثارها المجتمعات التي تطبقها.
إنشرها