«اختلاط الماء بالزيت» مكلف دائما

|
"المكينة تخلط مويه وزيت" عبارة أعتقد أنها مرت على كثيرين من أصحاب السيارات القديمة، وهي عبارة مزعجة جدا بلا شك. عندما تقدم السيارة ويعمل محركها بقطع مئات الألوف من الكيلومترات متجاوزا عمره الافتراضي للعمل بكفاءة، تبدأ المشاكل الميكانيكية للمحرك ومنها "اختلاط الماء بالزيت". معالجة هذا الخلل مكلف ماديا نوعا ما لكنه ضرورة لعودة المحرك للعمل بكفاءة وإطالة عمره. حتى في حقول النفط يعد ارتفاع نسبة "اختلاط الماء بالزيت" علامة سلبية وقت الإنتاج تتطلب التدخل عند حدوثها. قبل تناول هذه الإشارة السلبية بالتفصيل أود أن أوضح للقارئ الكريم أن لبئر النفط شهادة ميلاد وشهادة وفاة، وبين ولادتها ووفاتها تمر بكثير من الوعكات الفنية والطبيعية المكلفة ماديا. لعلّي في هذا المقال أسلط الضوء بإيجاز على مراحل وكفاءة إنتاج حقول النفط لتتضح الصورة للقارئ الكريم. قبل المرحلة الأولى من مراحل الإنتاج يتم حفر آبار تجريبية في مناطق مختلفة من الحقل المراد الإنتاج منه بغرض الوصول إلى قراءات عالية الدقة حول كمية النفط الموجودة وجدواها الاقتصادية، إضافة إلى معرفة طبيعة الصخور وخصائصها وأخذ عينات منها. فكما ذكرت سابقا أن عمليات التنقيب عن النفط الأولية بالأقمار الصناعية والموجات الصوتية ليست دليلا قاطعا على وجود النفط، بل تعطينا مؤشرات أولية تختلف في دقتها بحسب نوع التقنيات المستخدمة عن وجود نفط أو غاز، ولذلك حفر آبار تجريبية هو الفيصل للتأكد بشكل دقيق جدا. بعد التأكد من جدوى الحقل الاقتصادية وغيره من العوامل، يبدأ حفر الآبار بغرض الإنتاج بعدة مراحل، تبدأ "غالبا" بمرحلة "الرفع الطبيعي" حيث يتدفق النفط تلقائيا من المكمن النفطي إلى فوهة البئر ومنها إلى المنشآت النفطية الأخرى لفصله عن الغاز وتوجيهه إما إلى معامل التكرير وإما إلى منشآت التصدير. سمي رفعا طبيعيا بسبب ارتفاع ضغط المكمن؛ وهذا من خصائص حركة الموائع الفيزيائية الأساسية وهي السريان من الضغط الأعلى إلى الضغط الأقل. بعد زمن يختلف من حقل إلى آخر، يبدأ ضغط المكمن في الانخفاض تدريجيا، ما يتطلب تدخلا خارجيا لرفعه، وذلك بحقن المكامن النفطية بالماء لدفع النفط إلى أعلى إما باستخدام مياه البحر وإما المياه الجوفية غير الصالحة للشرب وغيرها من الطرق الأخرى، كإنزال مضخات كهربائية أو ميكانيكية في آبار النفط، أو بحقن المكامن بالغاز المصاحب بعد فصله لذات الغرض، وتسمى هذا العملية السابق ذكرها بعملية "الرفع الصناعي". من أهم علامات ضعف صحة الحقل النفطي اختلاط كميات كبيرة من الماء بالزيت "النفط"، فكلما ازدادت نسبة الماء المصاحب ارتفعت تكلفة الإنتاج بهدف زيادة استخلاص النفط بطرق مختلفة حتى الوصول إلى مرحلة "التحفيز" ولها طرق متعددة متفاوتة في التكلفة وحاجة كل حقل إليها، فمن طرقها حقن الحقول ببخار الماء أو بغاز ثاني أكسيد الكربون لتوسيع مسامات الصخور وزيادة ضغط المكمن في نفس الوقت وغيرهما من الطرق. يهمني هنا التوضيح للقارئ الكريم أنه لا يمكن استخلاص النفط الموجود في مكمن ما كليا، وأن نسبة الاستخلاص تختلف باختلاف طبيعة المكامن الجيولوجية والتقنيات المستخدمة لهذا الغرض قد لا تتجاوز 55 في المائة في أفضل الحالات، وقد تصل إلى 30 في المائة أو أقل منها في بعض الحقول.
إنشرها