الخطابة بالمجان

|

كان فن الخطابة في السابق من الزمان يحتكره الموهوبون. أن تكون خطيبا بارعا لا يعني أن تكون صاحب شأن، ولكن إن اجتمعت مهارة الخطابة مع المكانة والمنصب، زاد التأثير في الناس. وأفضل قياس لنجاح أي خطيب كان تأثيره وتوجيهه للناس. كلما زاد عدد المستمعين باستمرار إليه، زاد تأثيره. وعند بزوغ فجر الوسائل التي أدت إلى انتشار ظاهرة الإعلام الرئيس من صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية، زاد عدد المنابر التي ينطلق منها الخطباء. لم يعد الخطيب في حاجة إلى منبر من الآجر أو المرمر أو الخشب الثمين أو مكان مرتفع كي يلقي خطبته. في هكذا منابر كان صوت الخطيب لا يصل إلى أبعد من صداه. الإعلام الرئيس منح الخطيب الوسيلة لتجاوز المنبر التقليدي والانطلاق صوب الأثير والوصول إلى أي إنسان له جهاز باستطاعته التقاط كلماته. ومكنت الثورة التقنية هذه الإعلام الرئيس من أن يصبح متاحا تقريبا لكل الراغبين في اقتناء أو شراء الأجهزة المساعدة على انتشاره، وبواسطته توسع الفضاء الذي ينطلق منه الخطباء. ولم نعد دائما في حاجة إلى خطيب يخطب فينا مباشرة. في الإذاعة والتلفزيون أمسى المذيع في الغالب هو الذي ينقل الخطاب بدلا من الخطيب نفسه وصار لصورة وهيئة وصوت المذيع تأثير لا يمكن تجاهله. واليوم أيضا قلما يقرأ الناس الخطاب برمته أو يحرقون أعصابهم لسماع خطبة مطولة لخطيب سياسي يكيل المديح لبرنامجه الانتخابي أو إنجازات عهده وحزبه. في الغالب نتجنب الخطب السياسية ونفضل أن نقرأها بعد أن تتم مراجعتها وتحريرها وإعادة صياغتها ووضعها ضمن سياق ما تأتي به من افتراضات. وإعادة صياغة الخطب السياسية مثلا عمل شاق لا يتقنه إلا المهرة من الصحافيين. ومن تجربتي الصحافية قلما لقيت مسؤولا أو سياسيا إلا واشتكى أن إعادة صياغتي لخطابه أو تصريحه بأسلوب صحافي لم تكن متقنة، وأنه كان يفضل أن أنشر خطابه أو تصريحه كما هو. ومع ظاهرة القنوات الإخبارية التي تبث على مدار الساعة أو قنوات النقل المباشر تصور الخطباء أنهم وجدوا ضالتهم أخيرا، حيث تحاول هذه الوسائل نقل الخطب السياسية مثلا كاملة أو أجزاء كبيرة منها كما هي. ومع ذلك لم يكن بمقدور إلا القلة من المتنفذين الحصول على امتياز نقل خطبهم كما هي. أما الجماهير، السواد الأعظم من البشر، فلم يكن بمقدورهم الدلو بدلوهم وبقي دورهم لا يتجاوز دور المتلقين، شأنهم شأن المتبضعين في الأسواق، حيث تقتصر وظيفتهم على النظر أو الشراء وليس دخول السوق كمنتجين أو صناعيين. وكما أن المتسوق أو الزبون ما هو إلا مستهلك وحسب للبضاعة، كذلك المتلقون للخطاب، حيث لم يتجاوز دورهم السماع أو القراءة أو المشاهدة. وكما أن أصحاب المحال والمنتجين والصناعيين يبحثون ويلهثون وراء المتسوقين من الزبائن، كذلك المتنفذون من الساسة وأصحاب الشأن، وكل من له رسالة يبحث عن وسيلة لإيصال رسالته "بضاعته" إلى المتلقين "المستهلكين". بيد أن كل هذه النظريات والفرضيات الخاصة بالخطابة انهارت أمام الثورة الخوارزمية "الرقمية". فجأة، ومع بزوغ فجر هذه الثورة قبل نحو عقدين من الزمن، صار بإمكان أي واحد منا أن يصبح خطيبا وأن يمتلك الوسيلة التي بإمكانه جعلها منبرا على مستوى الدنيا لتوصيل رسالته. وصار الخطباء من السياسيين ورجال الدين وأي شخصية متنفذة في مجتمعها تعتمد في الغالب على نفسها لإيصال رسالتها "خطبتها" كما هي إلى جمهور عريض من الأنصار والمؤيدين، والمعارضين أيضا. فأغلب السياسيين والمتنفذين اليوم لهم مواقع في وسائل التواصل الرقمية يحملونها خطبهم وتصريحاتهم وردودهم، ولهم من الأتباع والمؤيدين "المتلقين" ما قد تحسدهم عليه أكثر وسيلة إعلامية انتشارا في العالم. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب له أكثر من 40 مليون متابع ومؤيد في "تويتر" فقط. يخطب في الناس ليس من خلال صوته بل من خلال تغريدات كتابية قصيرة. الإعلام الرئيس يعيد صياغة هذه التغريدات عند نشرها ولكن ترمب لا يحتاج إلى التوسل إلى صحافي أن ينقل خطابه كما هو بدون إعادة صياغة. داعية في البلاد العربية له أكثر من 20 مليون متابع ومؤيد، يخاطبهم مباشرة ويتواصل معهم ولا يحتاج إلى وسائل الإعلام الرئيسة التي في أي حال من الأحوال ستتجاهله. كل واحد منا بإمكانه اليوم التحول من المتلقي إلى مرسل وصاحب رسالة في آن واحد ولا نحتاج إلى أن تكون لدينا مهارات فنية أو مهنية أو استخدام الإعلام الرئيس وسيلة. الخوارزمية أدت إلى ثورة غير مسبوقة في تحويل أي منا إلى خطيب وبليغ، وجعلت من الخطابة والبلاغة سلاحا متاحا وبالمجان، بينما سابقا كان ذلك متوافرا للقلة من الموهوبين وأصحاب الشأن والتأثير.

إنشرها