المشراق

الخرافة نشأت جهلا وتطورت فنا

يذكر الدكتور محمد جواد ويوافقه آخرون أن سبب ظهور الخرافة العلمية والعملية في مجال الفكر والتعاليم الدينية يرجع في الأساس إلى سيطرة الجهل، سواء على المستوى النظري أو العملي. كما أن نمو وتكاثر الخرافة يرجع في الدرجة الأولى إلى انتشار الجهل وشلل عملية التفكير العلمي. والخرافة عبارة عن اعتقاد أو فكرة يعتنقها ويقتنع بها الإنسان وتقوم على تخيلات دون أن يكون لها سبب عقلي أو منطقي مبني على العلم والمعرفة. وتمثّل الخرافة غالبا إرثا تاريخيا تتوارثه الأجيال، لذلك هي مرتبطة بفلكلور الشعوب. أما عن سبب تسميتها بالخرافة في التراث العربي فيذكر كثير من المصادر العربية أنها نسبة إلى رجل اسمه خرافة. وجاء عند ابن منظور في كتاب "لسان العرب" ما نصه: "والخرافة الحديث المستملح من الكذب. وقالوا: حديث خرافة، ذكر ابن الكلبي في قولهم حديث خرافة أن خرافة من بني عذرة أو من جهينة، اختطفته الجن ثم رجع إلى قومه فكان يحدث بأحاديث مما رأي يعجب منها الناس فكذبوه فجرى على ألسن الناس". وجاء ذلك أيضا في حديث منسوب إلى رسول الله- عليه الصلاة والسلام-، لكن علماء الحديث يضعفون هذا الحديث.

الألف خرافة:
ومن أشهر الكتب في التراث العربي خاصة والإنساني عامة التي جمعت قصصا خرافية، كتاب "ألف ليلة وليلة"، ويعد من أشهر الكتب العربية، ومن أكثرها تأثيرا في التاريخ، وترجم إلى عديد من اللغات، عرف باللغة الإنجليزية باسم الليالي العربية. قصصه متنوعة، تتناول أخبار الملوك وأبنائهم والوزراء، والإنس والجن والحيوان، واللصوص والمحتالين والقتلة، والفقهاء، والشعراء، والأطباء والتجار والصناعيين، والعجائز والشبان، والسفهاء والعقلاء. ونلاحظ وجود قصص خيالية، وقصص مرعبة وقصص الحب والغرام وأخرى مليئة بالألغاز الشيقة. ويرى بعض الباحثين أن حكايات ألف ليلة وليلة كتبت في العصر العباسي، وانطلقت من بغداد نحو الشام ثم مصر وأضيف إليها كثير من الحكايات المستوحاة من حوادث التاريخ التي مرت على الأقطار العربية بعد انهيار الدولة العباسية.
يقول ابن إسحاق: ابتدأ أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري صاحب كتاب الوزراء، بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم، كل جزء فيه قائم بذاته، لا يعلق بغيره، وأحضر المسامرين فأخذ عنهم أحسن ما يعرفون ويحسنون، واختار من الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات ما يحلو لنفسه، وكان فاضلا، فاجتمع له من ذلك 84 ليلة.. ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من تتمه ألف سمر. وربما يكون هذا الكتاب هو أصل ألف ليلة وليلة، فمن المعروف أن الكتاب يحتوي على مزيج من الحكايات الشعبية: هندية وفارسية وعربية، بغدادية ومصرية.
ويقسم باحثون آخرون أصول الكتاب إلى مجموعات:
الأولى: أصل الكتاب، قصص هندية وفارسية تسمى هزار أفسانة، ويستدل على ذلك بما أورده المسعودي وابن النديم، فقد جاء في "مروج الذهب" للمسعودي حين عرض لأخبار شدّاد بن عاد ومدينة إرم ذات العماد: أن هذه أخبار موضوعة، في خرافات مصنوعة، نظمها من تقرّب من الملوك بروايتها، وأن سبيلها سبيل الكتب المنقولة إلينا والمترجمة من الفارسية والهندية والرومية، مثل كتاب هزار أفسانة، وتفسير ذلك بالفارسية ألف خرافة، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة. ويأتي بعده ابن النديم فيذكر في "الفهرست" في المقالة الثامنة من الفن الأول من أخبار المسامرين والمخرّفين (أي الذين يروون الحكايات الخرافية) وأسماء الكتب المصنفة في ذلك ما نصّه عن محمد بن إسحاق: أول من صنف الخرافات وجعل لها كتبا وأودعها الخزائن وجعل بعض ذلك على ألسنة الحيوان الفرسُ الأُوَل، ونقلته العرب إلى اللغة العربية، وتناوله الفصحاء والبلغاء فهذبوه ونمقوه وصنفوا في معناه ما يشبهه، فأول كتاب عمل في هذا المعنى كتاب هزار أفسان، ومعناه ألف خرافة، وكان السبب في ذلك أن ملكا من ملوكهم كان إذا تزوج امرأة وبات معها ليلة، قتلها من الغد، فتزوج بجارية من أولاد الملوك ممن لها عقل ودراية يقال لها شهرزاد، فلما حصلت معه (تزوجته) ابتدأت تخرّفه (تروي له حكايات مشوقة) وتصل الحديث عند انقضاء الليل بما يحمل الملك على استبقائها، ويسألها في الليلة الثانية عن تمام الحديث، إلى أن أتى عليها ألف ليلة، ورزقت منه ولدا فأظهرته، وأوقفته على حيلتها عليه فاستعقلها ومال إليها واستبقاها، ثم يقول ابن النديم: والصحيح أن أول من سمر بالليل الإسكندر، وكان له قوم يضحكونه ويخرفونه واستعمل لذلك بعده الملوك هزار أفسان.. وهو بالحقيقة كتاب غثّ بارد الحديث.
المجموعة البغدادية: وتحوي حكايات شعبية عربية قديمة، وحكايات عربية ألفها المسلمون في العصر العباسي، ويذكر ابن النديم أنّ الجَهْشياري صاحب كتاب الوزراء: ابتدأ بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم، ويضيف ابن النديم: وكان قبل ذلك ممن يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم جماعة منهم عبد الله بن المقفع وسهل بن هارون وعلي بن داود، كما يذكر ابن النديم كتبا كثيرة، مؤلفة أو مترجمة من كتب الأسمار، عرفها العرب في أيام خلفاء بني العباس، ويذكر أن الأسمار والخرافات كان مرغوبا فيها مشتهاة، فصنّف الورّاقون فيها وكذبوا، وقد تجمّعت هذه الحكايات في القرنين الرابع والخامس للهجرة، وأضيف إليها حوادث تاريخية وبعض سير الشعراء الذين عاشوا أيام الدولة العباسية كأبي نواس وأبي دلامة.والمجموعة المصرية، وتألفت هذه القصص ما بين القرنين الخامس والعاشر الهجريين من القصص العربية والتقاليد الإسلامية والأساطير الشرقية. ومجموعة أخرى أضيفت كاملة إلى كتاب ألف ليلة وليلة: ترد في نسخ من دون الأخرى، أضيفت ليبلغ عدد الليالي الألف، وأشهر هذه القصص قصة السندباد.

أستاذ الخرافات:
للعالم الألماني فريدريش فون دير لاين كتاب بعنوان "الحكاية الخرافية: نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها"، ترجمته الدكتورة نبيلة إبراهيم، وطبع أكثر من مرة. والمؤلف أستاذ ألماني كرس حياته لدراسة الأدب الشعبي على أسس علمية دقيقة للغاية، وله في ذلك أبحاث كثيرة على جانب كبير من الأهمية. وقد استحوذت الحكاية الخرافية على أكبر قدر من جهوده، فله في ذلك أبحاث عدة منها الكتاب المشار إليه آنفا، وكتاب آخر ظهر في مجلدين عام 1953، 1954 تحت عنوان "عالم الحكاية الخرافية". كما أنه قام بالإشراف على موسوعة ضخمة بلغت 40 جزءا تحت عنوان "الحكاية الخرافية في الأدب العالمي". وقد خصص كل جزء منها لعرض أهم الحكايات الخرافية لدى كل شعب من شعوب العالم على وجه التقريب، كما قدم في نهاية كل جزء بيانا وافيا عن هذه الحكايات وطريقة جمعها وأهم خصائصها التي تعد انعكاسا لخصائص شعبها.
وأهم ما يلفت النظر في كتاب "الحكاية الخرافية.. نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها" أن المؤلف استطاع عن طريق البحث العلمي الدقيق أن ينقل الأدب الشعبي بصفة عامة والحكاية الخرافية بصفة خاصة من المفهوم الضيق للأدب الشعبي الذي سيطر على العقول زمنا طويلا إلى المفهوم الواسع العميق، فاستطاع بذلك أن يسمو بالأدب الشعبي من حيث القيمة الفنية إلى مستوى الأدب الرسمي.
أما فصول الكتاب فنلخصها فيما يلي:
1- عرض شامل لأهم الأبحاث الخاصة بالحكايات الخرافية.
2- دراسة أصول الحكايات الخرافية، وغاص في هذا الفصل في معتقدات البدائيين ودياناتهم وتصوراتهم ومعتقداتهم.
3- البحث في شكل الحكاية الخرافية وروايتها.
4- الحكاية الخرافية عند شعوب الحضارات المختلفة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق