المشراق

الكليف شاعر القرن العاشر المجهول

لا تسعفنا المصادر المتاحة بذكر أي معلومات عن الشاعر الكليف، أو الجليف، لكن يتضح من شعره ومن قصيدته هذه أنه عاش في القرن العاشر، لأنه قالها - كما ذكروا - في مدح مقرن بن قضيب، ويتوقع الأستاذ أبو عبدالرحمن بن عقيل أن قضيب تحريف لغصيب وهو ابن زامل بن هلال الذي زال حكم الجبريين "آل جبر" ـــ الأسرة الحاكمة المعروفة في الأحساء ـــ من يده عام 932هـ، بينما يميل الدكتور الصويان إلى أنه قضيب، وأن الأقرب إلى الصواب ما ورد في مخطوطات الشعر النبطي، وليس غصيبا كما في بعض الكتب التاريخية التي دوّنها أناس من خارج المنطقة، ويرى غيره أن الممدوح هو السلطان مقرن بن زامل بن أجود بن زامل، الذي حارب البرتغاليين حتى قتلوه. ويميل الأستاذ أيمن بن سعد النفجان إلى أن اسم الشاعر الصحيح هو الغليف، وهو الشيخ الخطيب أحمد بن الحسين بن الحسن الغليف، الملقب بشاعر البطحاء، أشهر شعراء الحجاز في القرن العاشر الهجري، لكنه لم يورد حجة تجعلنا نميل معه إلى هذا الرأي.
أما من الناحية الشعرية، فلم يصلنا للكليف سوى قصيدتين مطولتين، وعسى أن تجود الأيام ببقية أشعاره. والقصيدتان من جيد الشعر النبطي ومشهوره، تتسمان بجزالة الألفاظ وقوة المعاني، وطول النفس في النظم. ولا شك أن الشاعر إذا أطال في قصيدته كمل فعل الشاعر الذي تتجاوز قصيدته مائة بيت، فإنه قد يلجأ إلى قواف مكرورة، أو معان ضعيفة، وهذا ما نلحظه على قصيدته أحيانا، وبالإجمال فإن شعره قوي ومتين وفيه معان جميلة.
قال عنه الدكتور الصويان "آخر شاعر من شعراء الدولة الجبرية يصلنا إنتاجه، شاعر تكتب بعض المخطوطات اسمه الكليف وبعضها تكتبه الجليف، وأرجح أن اسمه الصحيح هو الكليف؛ وربما أن النساخ النجديين كتبوا الاسم بالجيم بدلا من الكاف محاولة منهم لمجاراة نطق الكاف عند أهل الأحساء والبحرين، وهو نطق قريب من الجيم، وهكذا فإنه من السهولة أن تصحف الكاف إلى جيم مراعاة للنطق، لكن ما من سبب يدعو إلى قلب الجيم إلى كاف، ولهذا أرى أن الاسم الصحيح بالكاف لا بالجيم، ولا ندري هل الكليف اسمه أم لقبه. وقصيدته على بحر الرجز في مدح مقرن ولد قضيب تنيف على 100 بيت وهي من أجود قصائد المدح في الشعر النبطي. وهو إذ يمدح مقرن في قصيدته إلا أنه يخاطبه مخاطبة الند للند ويسدي إليه المشورة والنصح ويعرض عليه المساعدة المالية. وليس في القصيدة أي أثر للتكلف أو التزلف أو الاستجداء. وهو يحذره من مصافاة العدو وممالأته حتى لو رأى البشاشة في وجهه، ويقول "إن عدوك يضحك لك ريثما يتدبر أمره في الكيد لك". هذه البشاشة الخادعة يشبهها الشاعر بالسراب أو الماء الصافي في بئر غير محكمة الطي ورخوة الجوانب. حينما يرد الظمآن طمعا في هذا الماء البارد تزل به قدمه حالما يصل حافة البئر وقبل أن يدرك نفسه وينجو تزل قدمه الأخرى فيسقط في ماء البئر العميق وتنهار عليه جوانبها".
وسأورد أبياتا من قصيدتي الكليف:
زهت الديار:
قصيدته الأولى قالها في مدح مقرن بن زامل، وهي قصيدة جزلة قوية المعاني، طويلة تقارب أبياتها المائة، ومثلها مثل القصيدة الثانية قريبة جدا من الفصحى، ويمكن قراءة أغلب أبياتها بشكل فصيح:
زهت الديار بحسنها وجمالها
واستبشرت بالعز روس رجالها
وبها القلوب قد اطمأنت بعدما
كثرت وشاة السو في نزالها
والغيث جاوبه الحقوق وجررت
فيها مباكير السحاب اذيالها
ورست بامر الله بعد تزلزل
وطابت معيشتها وزان ظلالها
واجرى بها الحق المبين اقلامه
والحق حل بها وزال علالها
وتجاوبن حلو القريض تغرد
بديارهم واهل الديار جمالها
يزهون من عقب التشبب للقنا
شروا اجتوال الريم عند جفالها
فالحمد للمولى على إحسانه
وعلى جميع وهايبه وافضالها
ولى إمام في الديار وقد طما
بالعلم بحر من بحور ظلالها
بالعدل واصلاح العشيره بعدما
كثرت وشاة السو بين رجالها
وتزينت للغير فيها واثمرت
بنوايعٍ شاق الفواد جمالها
بامرٍ من الباري ووفق طيب
للدار من عقب اختلاف رجالها
براي من يروم الطايلات والعلا
ما طاوع اشوار الملا وانذالها
الى صبيحي من اولاد المضا
راعي عطاياً ما يمن اجزالها
شيخ العشيرة مقرن زاكي الوفا
حمال من جل الخطوب اثقالها
قد شاف بالاعمام مالا يرتـضى
بالدار واقفى زاهدٍ باعمالها
متضايل عن ديرته واصحابه
خوف القطيعه بالصديق وقالها
حتى بقى الطراش يتعب بعضهم
بعض وتشكي ما جرى في حالها
ويقال ياسترالعشيره قد بقى
قطع بايدي الظالمين احلالها
فاجاب كالحر القطامي جارد
من شوفته زريقةٍ يدعى لها
حاول محل الملك وانقادت له
اهل الـشروق وغربها وشمالها
بالسيف حل الدار كرهٍ والقنا
وبنى بيوت المجد فوق حلالها

ويمضي فيها إلى أن يقول في آخرها:
فالىايتفا حقٍ وسيف صارم
هدت العصاة وطاوعت عذالها
وانفق حق المسلمين في دروبه
فرعٍ يدل عن العياميالها
فكذا السفينه ما يطيب مسيرها
الا ان يشد شراعها وحبالها
وما يسند العيال عن هماتها
غير القضابارواحها واموالها
والدار شروى زينة معشوقة
كل البرايا مشتهين وصالها
فان حازها بعل غيور حفظها
في موضعٍ ماحازها من نالها
وان عدمت البعل الغيور تلطمت
بعد الجمال الزين بازرى حالها
فالى وليت فكن حفيٍ ريف
فالنفس لابد الإله يسالها
واحذر محاسبة الاله بموضع
فيه النفوس رهاينباعمالها
واعدل وخف ملك عليك رقيب
وانظر ملوك السو كيف جرى لها
خذ من علومي درة مصيونه
ماكرروها الناس صار ازكى لها

توجده على أمه:
وقصيدته الثانية قالها في التوجد على أمه، قيل لأنها تركت بيته وذهبت إلى بيت أخيه، وهي قصيدة طويلة تصل في بعض رواياتها إلى سبعين بيتاً:
الى الله اشكي ليعةٍ مادرى بها
جمار ولا عند البرايا حكى بها
كنيتها بالقلب والقلب ماصبر
يوم عليها ولمقاسي صليبها
صبور على الدنيا صبور الى قست
ليالي سنين قد عوى اليوم ذيبها
في راس مرقاب يجاذب شكيه
مهاميه دوٍ بالدجى يختلي بها
هذا وهو ذيبٍ على الولف بالخلا
يزج العوا سهرٍ غدا في نحيبها
على الولف والفرقا فياليت من غدا
بفراق من امه بتالي شيبها
جفتني وعافتني ونسيت جمايلي
وزهدت بنـفسي يوم قـصر نصيبها
ليتني مع الموتى تقدمت ولا رأت
عيني فراق اللي عسى الله يثيبها
وياخذباياديهامادامها على البقا
مع طول عمر فيه وانا حبيبها
شكيت لرفاع السما باسط الوطا
سميع الندا من عاجز يشتكي بها
بلوىً مفاجاة على غير حادث
دهتني وربي عالم وش لي بها
وثيق عليها آمن سايةالخطا
لو بالمثل اخطيت انا ما تريبها
ويرفا خطايا خملتي طيب حملها
حيثي بحالٍ عاد ما ينحكي بها

ثم يزداد توجده على أمه فيقول:
ولا هزني وحل بالحال مثلما
سيرة سواة امي بمن يعيبها
خوف من الله والعقوبات والحيا
عند الملا بظهورها من حكي بها
على غير ماجوبزعلها لصيبها
تيمم هواها دار غيري وهي بها
عندي بعزٍ طول عمري وعيشه
فيها الهنا مني ولا هقوتي بها
ترخص بلاما من له الوجد قد برى
جسمه وانا بالوجد كني عطيبها
مصاب بفرقا عين من ليس مثلها
عندي ولا حي يخفف مصيبها
وهي نور عيني ثم روحي ونعشتي
هي النفس واسقامي وطبي وطبيبها
وانا بالرجا والله لا يقطع الرجا
الهي بعلم اسرار علمه يجيبها
وياذنبجمعا لامها لي على الرضا
وهي لذة الدنيا وعلام غيبها

ثم يدعو ربه أن:
يهدي جناب امي عن الغيظ بعدما
نحتني بلاما البعد وان التوي بها
وابرم دواليب الرضا حيث قـصرت
حرفات نفـسي عن ملاقا ثويبها
وقد صار في قلبي من الوجد ما ثنى
عزمي ونار الوجد تسعر لهيبها
وذوب لهيب النار جسمي ومهجتي
فياعين ابكي عين من ينبكي بها
ابكي على من شرف الله قدرها
بالدمع دم ثم هلي سكيبها
هلي دموع مهملات على الجفا
لو قرحت من طول هامي صبيبها
بدم يخالط دمعها حين ماهمى
علىى الخد وابكي طول فرقا لبيبها
ويزيد البكا من فوق عيني الى هوت
رجلي ولا شفت بعيني حبيبها
من عبرٍ ياعين بالقلب كنها
ودق الحيا اوزج طامي عبيبها
تزايد بلاجي مهجتي حين ماهوت
في دار غيري نور شمس غدي بها
امي سراج البيت ياعين بالكرى
تسامر نجوم قاصدات مغيبها
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق