هل نستثمر التنوع كما يجب؟

|

كنت أتحدث مع بعض المعارف بشأن الأبناء ذكورا، وإناثا، والاختلافات التي توجد فيما بينهم في تصرفاتهم، وطريقة تفكيرهم، واختياراتهم في الملابس، والتخصصات، وفي الميول، والرغبات، وكان مبعث الحديث الفروق التي يشاهدها بين أبنائه، والصعوبات التي يجدها في التعامل مع بعضهم، وسهولة التعامل مع البعض الآخر، وما من شك أن الأمر ليس مقتصرا على هذا الصديق، بل إن كل ولي أمر وأسرة يعانون هذا الشيء.
الأمر مهم للجميع، نظرا لما يعانيه الوالدان في تربية أبنائهم، وتوجيههم التوجيه السليم، بما يحفظهم عن الانحراف السلوكي، والفكري، وبما يحقق لهم مستقبلا ناجحا يجعلهم في مستوى أقرانهم، بدلا من أن يكون مصيرهم الفشل، والضياع. أثناء الحديث مع صاحبنا ذكر أنه أعطى ابنيه مبلغا من المال متساويا، والمفارقة التي لفتت انتباهه إلى أن أحدهما اشترى سيارة فارهة، والآخر اشترى سيارة مستعملة، لكنها في حالة جيدة، وبدأ بما تبقى من المال مشروعا استثماريا بسيطا في بدايته، لكنه كبر مع الوقت، وتوسع، حتى أصبح الابن من رجال الأعمال، وهو في سن مبكرة، في حين أن أخاه صرف المبلغ على السيارة، وعلى أمور أخرى ليست ذات قيمة.
يقول الباري جل في علاه "إنا كل شيء خلقناه بقدر"، وما من شك في أن الإنسان الذي هو أكرم خلق الله، أحد الأشياء التي خلقت بقدر معين، سواء في القدرة العقلية، أو الاهتمامات، والميول، والرغبات، وحتى في الأخلاق التي يكتسبها الفرد، ويتحلى بها، في سلوكه، وتعامله مع الآخرين، وهذا سر الحياة التي تستوجب التكامل بين الناس، في مناشطهم، وفعالياتهم، لتستمر الحياة، والنماء في جميع المجالات التي تضمن لهم العيش، وعمارة الأرض، كما أراد الله: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قال إني أعلم ما لا تعلمون".
التكامل لا يتحقق، لو كان الناس كلهم بطريقة التفكير نفسه، أو أن لديهم الميول نفسها، والاتجاهات، ولذا فإن الفروق الفردية، وما تنطوي عليه يمثل الأس الذي تقوم عليه عملية التكامل قال تعالى: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون". الفروق الفردية في القدرات العقلية، وفي بناء الشخصية، لها دور في نوع المهن التي يقع عليها الاختيار من قبل الأفراد، فيجدون ذواتهم فيها، حتى إن البعض يعبر بصريح العبارة أنه يجد ذاته في هذه المهنة، أو في ذلك المجال كالتجارة، أو المجال العسكري، أو في الطب، أو التدريس.
قابلت شابا مصادفة يعمل في مجال الهدايا، والدروع، وسألته عن سر اختياره لهذا المجال، فكان جوابه بكل بساطة أنه لم يحصل على درجات عالية في الثانوية العامة تؤهله لدخول الجامعة، فكان قراره المباشر في اختيار مهنة يبدأ مشوار حياته فيها، فوقع الاختيار على مجال الهدايا، والدروع، حيث وجد نفسه في هذا المجال، وأحبه، وحمد الله على أن سدده.
كلما تأملت في هذه الحياة وجدت أن التنوع سر الجمال والنماء، ولولاه لما كان للحياة طعم، وذوق، فتعدد الألوان يضفي بهجة، وسرورا في البيوت، وفي الحدائق والشوارع، وفي الملابس، والأواني، وفي جميع مجالات الحياة، وفي تنوع الأطعمة إرضاء للأذواق، وتناسب مع الظروف الصحية، والتغيرات المناخية قال تعالى: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون". في المجال التربوي عناية فائقة في موضوع الفروق الفردية، وضرورة تلمسها، والتعرف عليها من قبل المربين كي يتم البناء على ما لدى الفرد من استعدادات، وقدرات يرسم البرنامج التربوي على أساسها. وترتب على هذا الاهتمام بروز علماء قضوا أعمارهم في مجال الميول المهنية، والميول الدراسية، وطوروا مقاييس تستخدم لاكتشاف ما لدى الفرد من قدرات، وميول، حتى يتم توجيه الفرد، وتدريبه بما يتلاءم واستعداداته، ولذا نجد التطور الصناعي، والتقني، والتنظيمي في الدول التي جعلت من الفروق الفردية أساسا في بناء برامجها ومناهجها التعليمية.
مدرسة الفهد، التي لا أدري ما مصيرها كانت تدرس وفق مبدأ الفروق الفردية، حيث يمكن للطالب أن ينتقل من مستوى إلى آخر متى ما حقق متطلبات المستوى الذي هو فيه، دون الارتباط بالمجموعة التي بدأ معها، وهذه صورة من صور تفريد التعليم، مع ما فيه من جهود، ومشكلات.
لو لم يوجد التنوع، والاختلاف بين الناس في قدراتهم، وميولهم لتعطل الناس، ولم يجدوا بعض البضائع، والمستلزمات التي لا بد من أحد يتقنها، ويقوم بتوفيرها للمحتاجين إليها. ولذا لا بد من بذل الجهود لاكتشاف ما لدى الأفراد من طاقات يتم استثمارها بما ينفع الفرد ومجتمعه بدلا من ذبول الاستعدادات وانقراضها مع الوقت ليجد البعض أنفسهم في أماكن أقل مما يستحقون نتيجة الإهمال وعدم الاهتمام بهم.

إنشرها