ثقافة وفنون

«فرديناند» .. لا تحكم على الثور من قرنيه

منذ اللحظة الأولى التي يولد فيها المرء، يضعه الناس مباشرة ضمن إطار معين، مقولب بصورة نمطية، لا يمكنه الخروج عنها، بناء على نظراته وكلامه أو حتى شكله وحجمه ومن أين أتى، ضاربين بعرض الحائط حقيقة جوهره، غير عابئين بشخصيته الحقيقية، بل مصرين على إطلاق الأحكام وفق المظهر الخارجي الذي يرونه. كيف يمكن لذلك المرء الخروج من ذلك النفق الطويل، وإثبات أنه مختلف عن تلك الصورة التي رسموها له، متمادين في مخيلتهم ومصالحهم تلطيخها بألوان نفسياتهم المريضة، وكيف يمكن أن يقول لهم أنا لست كما تريدون أن أكون؟
هذه هي المعضلة التي حاول المخرج البرازيلي كارلوس سالدانها‏ معالجتها في فيلمه الجديد "فرديناند - Ferdinand" الذي خلص فيه إلى رسالة واضحة، ألا وهي لا تحكم على الثور من قرونه، أي لا تصدر أحكامك المسبقة على أي شخص استنادا إلى مظهره الخارجي.
ولم يقتصر مغزى الفيلم على هذه الرسالة فقط بل قام المخرج بتمرير رسالة أخرى في وقت تعم فيه الحروب معظم أقطاب الكرة الأرضية، وتتفاقم التوترات بين البلدان كافة، مفادها أن السلام ضرورة، وجاءت هذه الرسالة بطريقة مبسطة لا تثقل كاهلها الفلسفات التي تنبثق من أفواه كثيرين، بل أتت بطريقة سلسة يفهمها الكبير والصغير على حد سواء.

فرديناند يهرب

تدور أحداث الفيلم حول الثور فرديناند، يؤدي صوته جون سينا، بطل المصارعة العالمي، الذي يعيش في مزرعة لتربية ثيران المصارعة الشهيرة بالقرب من مدريد، كل أقرانه تهدف إلى تحقيق التميز وأن يختارها الماتادور، يؤدي صوته دييجو لونا، لتشترك في المصارعة، إلا فرديناند الذي لا يرغب سوى في أن يترك لشأنه، ويعتبره زملاؤه سخيفا لأنه يكره الشجار والمواجهات العنيفة، ويعشق رائحة الزهور الحمراء الصغيرة، فيحاول دوما حمايتها من الدعس، لكن عندما يموت والده، وتسحق في نفس اليوم زهرة حمراء صغيرة يهتم بها، يشعر بالتشاؤم والحزن، وينجح في الهرب من المحمية التدريبية، خاصة بعد اختفاء والده الذي يتم انتقاؤه لمواجهة في مدريد، ولا يعود بعد ذلك، ويتم تبنيه من قبل عائلة إنسانية لطيفة ريفية تعيش في مزرعة جميلة صغيرة، ومكونة من صاحبها الأب جوان، وكلب أليف صغير يدعى باكو، وابنته الصغيرة الجميلة تينا، ويقضي حياته هناك في شم الورد والرقص واللعب مع الفتاة.

يتورط ويقبض عليه

يستمر هذا الوضع إلى أن يكبر الثور، ورغم أنه يبقى لطيفا لا يحب العنف ويتجنب المشاجرات، كما ويبقى عاشقا للزهور، لكنه يتورط عن طريق الخطأ في تخريب احتفال الزهور السنوي في القرية المجاورة، فتلاحقه الشرطة، وتتم إعادته لنفس مركز تدريب الثيران الذي هرب منه.
يحاول فرديناند الهرب من سجنه والعودة إلى وطنه لكنه يفشل في أن يقوم بالأمر منفرداً، فيحاول إقناع الثيران من حوله بالمغادرة والعيش في مكان آخر بين الزهور وأحضان نينا التي تقدم له الحب والعطف، ويجري تحالفات ذكية مع الثيران، وماعز عجوز، ثرثارة ومتعاونة، وثلاثة قنافذ ظريفة ذات حيلة ودهاء، لإنجاز مغامرته الجسورة التي تعج بالمخاطر.

اختياره مصارعة الثيران

بدأت مهمته تصعب عندما تم اختياره لمصارعة الثيران في حلبة مدريد الشهيرة، لكنه بقي مصمما على مواجهة مصيره وإثبات قوته، وعندما يحاول مصارع الثيران المغرور البريميرو تحديه وقتله، يفشل وفي المقابل نرى أن الثور يتركه وشأنه عندما تسنح له الفرصة لقتله، فيتأثر الماتادور الشهير ويعفو عنه، وسط تشجيع وتصفيق الحضور وقذفهم بكثرة للزهور الحمراء التي يحبها، فينضم ثانية لصديقته الفتاة المخلصة الطيبة نينا مع أبيها والكلب الوديع، ثم تصل باقي الثيران مع المعزة العجوز الحكيمة متأخرة لإنقاذه بعد ملاحقة لاهثة وطريفة في شوارع مدريد.
ولقد كان مؤثرا مشهد الحب الذي جمع بين فرديناند ونينا، ولدى عودتهم إلى المزرعة قامت نينا بالتعرف على المعزة وضمها، فما كان من الأخيرة إلا الاستفسار من فرديناند إذا ما كان هذا هو الحب الذي كان يتكلم عنه فأجابها بنعم، أغمضت عينيها وقالت "أحب الحب"، وهذه هي رسالة أخرى أيضا مررها المخرج عن الحب وكيفية العيش بمحبة بين الجميع رغم اختلافاتهم.

تعبيرات عميقة للثور

يحفل الفيلم بالتلوينات المشهدية الجميلة، خاصة مشاهد الزهور التي يرافقها شروق الشمس فتتمايل الخيوط الذهبية على جبل من الزهور الملونه ليبدعا لوحة فنية فائقة الجمال تأسر عيون المشاهد، كما تميز بالأكشن التفصيلي والمغامرات والدراما الحزينة، وبمهارة تصميم الشخصيات وتعبيرات الوجوه، خاصة تعبيرات فرديناند التي أتقنها، فكان بارعا في نقل أحاسيسه إلى المشاهد من خلال تعبيرات وجهه الحزينة والفرحة، كما يوجد في مركز الثيران ثلاثة خيول ساخرة ترقص برشاقة وتباهى دوما على إيقاع موسيقى، وبلكنة ألمانية ناعمة، تلك الخيول أدخلت نوعا من المرح والفكاهة على الفيلم خاصة عندما دخلت في مغامرة رقص مع فرديناند وأصدقائه الثيران التي أثبتت للخيول أن الثيران رغم بدانتها تستصيع أن تقدم رقصا جميلا وناعما كما تفعل الخيول، فالرشاقة ليست في النحف بل في خفة الحركة.
وانتهى الفيلم برؤية مجموعة الثيران الصديقة والمعزة الظريفة والقنافذ الصغيرة الذكية وهي تشهدون بهدوء شروق الشمس على حقل من الزهور الجميلة بجوار المزرعة الريفية.

البداية عام 1936

ظهرت قصة فرديناند للمرة الأولى ككتاب للمؤلف الأمريكي الشهير مونرو ليف، ومن ثم تحول عام 1938 إلى فيلم قصير من إنتاج ديزني وحاز جائزة الأوسكار، ويحكي الكتاب، الذي نشر عام 1936 وقام بإنجاز رسومه التوضيحية الكاتب روبرت لوسون، قصة الثور الإسباني الذي لا يحب القتال، فمنذ صغره وهو كثيرا ما كان يفضل شم الزهور، وكبر وهو يعشق المروج التي تربى فيها، حيث كان يرعى تحت شجرة الفلين حتى جاء اليوم الذي كان محبطاً لكل أمنياته ورغباته، إذ تم اقتياده إلى حلبة مصارعة الثيران لاس فينتاس في مدريد، التي كان فرديناند، من أشد المعارضين لها.
وتم منع الكتاب والفيلم القصير من التداول والعرض في إسبانيا التي كانت تحت حكم الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو، إذ كان نظامه يعتبرها "دعوة لنبذ العنف".
لكن الكتاب حقق نسبة مبيعات عالية وسريعة جدا، ونال شهرة عالمية، حيث إنه نشر للمرة الأولى بعد مرور تسعة أشهر فقط على اندلاع شرارة الحرب الأهلية الإسبانية التي امتدت ما بين الأعوام 1936-1939، ولأن قصة الكتاب جرت أحداثها في إسبانيا، الأمر الذي زاد في منحه مزيدا من الرمزية. رفع الحظر عن الكتاب عام 1975، وهي ذات السنة التي توفي فيها فرانكو. كما أن الكتاب تم منعه في ألمانيا إبان حكم هتلر، حيث كان يطلق على القصة أنها "دعوة ديمقراطية ومتردية"، وفي نفس الوقت، كان الكتاب يحظى بدعم من شخصيات وأسماء بارزة، في حينه، منهم جورج ويلز وغاندي وايرنست همنجواي.
تجدر الإشارة إلى أن الفيلم حقق في شباك التذاكر العالمى خلال أسبوعه الثالث، إيرادات بلغت 125 مليون دولار أمريكي، بعد عرضه في أكثر من 3.621 دار عرض سينمائى حول العالم، منذ طرحه يوم الجمعة الموافق 15 ديسمبر 2017، وفقًا لما ذكره موقع بوكس أوفيس موجو الأمريكى.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون