أخبار اقتصادية- محلية

سوق «البصريات» في السعودية .. «منجم ذهب» لمصنعي النظارات المقلدة

فيما يشبه منجم ذهب متدفق ولا ينقطع تواصل سوق البصريات في المملكة تحقيق ملايين الريالات لعشرات الشركات والمصنعين للنظارات الشمسية والطبية المقلدة للعلامات التجارية المشهورة، أو المغشوشة ذات الجودة المنخفضة، دون أن يكون هناك رادع حقيقي لهذه الظاهرة التي تتسبب في أضرار طبية خطيرة، وأضرار اقتصادية فادحة سواء على التاجر أو المستهلك أو الاقتصاد الوطني ككل.
ورغم الجهود والمحاولات التي تبذلها الجهات المعنية سواء البلديات أو وزراء التجارة أو منظمات حماية المستهلك لمحاصرة انتشار النظارات المقلدة في أسواق المملكة، إلا أن الأرقام والجولات الميدانية، تؤكد أنها في تنام مستمر، وهو ما دفع وفق مصادر تجارية تحدثت لـ "الاقتصادية" عديدا من الماركات الشهيرة ووكلائها في السعودية إلى التوقف عن تزويد بعض محال البصريات الشهيرة في المملكة بمنتجاتها، وذلك احتجاجا على عرضها منتجات مقلدة.
آخر إحصائيات رسمية متوافرة تؤكد أن حجم واردات المملكة من النظارات بلغ في 2017، 3.8 مليون نظارة، بقيمة إجمالية تجاوزت 152.3 مليون ريال، أكثر من 70 في المائة منها تم استيرادها من الصين.
وهنا أكدت لـ "الاقتصادية" مصلحة الجمارك العامة أن حجم المضبوطات من النظارات المقلدة العام الماضي (2017)، بلغ نحو 20 ألف نظارة مقلدة، إلا أن بيانات "الجمارك" تظهر ضعف حجم محاضر الضبط التي لم تتجاوز 15 محضرا.
"الاقتصادية" تحاول في هذا التحقيق الميداني الوقوف على حجم المشكلة وأبعادها الطبية والاقتصادية .. وهنا المحصلة:

انتشار الظاهرة

سوق بيع النظارات الشمسية بل حتى الطبية المقلدة عالم مواز تغيب عنه الرقابة الحقيقية، حيث يتم بيع النظارات المقلدة والمغشوشة التي تحمل أسماء أشهر الماركات والمصنعين، في معظم الأسواق العامة وفي الطرقات بل حتى في المحال المتخصصة في البصريات، ويتم تداولها عبر تجار "شنطة" أو سيارات نقل صغيرة، تجوب المدن والأسواق ليل نهار.
لكن الأكثر فداحة أن يتم بيع النظارات المقلدة على أنها أصلية وبأسعار الأصلية ما يتسبب في كثير من الخسائر للمستهلكين بل أحيانا أضرار صحية، وبلغ أمر الغش أن يطول العدسات اللاصقة، وقد أدى ذلك إلى استغناء بعض الماركات عن البيع لملاك محال البصريات في السعودية لكثرة المخالفات عليهم.
عشر دقائق في حي البطحاء وسط العاصمة الرياض كانت كافية للوقوف على طبيعة سوق النظارات في المملكة، وهنا يقول نايف الجلعود أحد ملاك محال البصريات، ويملك خمسة أفرع في المملكة إن سوق البصريات في السعودية لا يمكنها الاستغناء عن النظارات المقلدة – على حد قوله - مشيرا إلى أن هذه البضاعة تلقى رواجا كبيرا من المستهلكين على اختلاف مستوياتهم، وكثير منهم لديه رغبة في التظاهر بأنها أصلية.
ويضيف الجلعود "نعم نقوم بالمتاجرة في النظارات المقلدة وهي رجات أيضا هناك درجة أولى ودرجة ثانية، وقد تم تغريمي من وزارة التجارة قبل ثلاثة أشهر بحكم من القاضي بواقع 300 ألف ريال، بعد أن تم ضبط 800 نظارة مقلدة في أحد فروعي في البطحاء".
وقال الجلعود إن العمالة الوافدة التي تبيع في الطرقات وتجار "الشنطة" يسيطرون على نحو 90 في المائة مما يتم بيعه من نظارات مقلدة أو مغشوشة في سوق البطحاء.
وكشف الجلعود عن أن بيع وغش النظارات المقلدة لا يقتصر على المحال الصغيرة أو العمالة الوافدة بل هناك مشاركة في هذا النشاط من قبل بعض وكلاء النظارات والعلامات التجارية المشهورة، مبينا أن بعض الوكلاء يقومون بفحص غير دقيق لجودة النظارات لتسهيل بيعها في محالهم.
من جانبه، يقول محمد السريع أحد ملاك محال البصريات ويملك ثلاثة أفرع أحدها في السليمانية واثنان في البطحاء إن سوق البصريات في المملكة اعتمدت كثيرا على النظارات المقلدة، مشيرا إلى أن وجود فرق تفتيش من وزارة التجارة بين فترة وأخرى لا يمكن أن يقضي على المشكلة.
وزاد "تعقب مندوبي الشركات المصنعة ومحاصرة المنافذ الجمركية هو الحل الأمثل للتخفيف من حجم تلك النظارات في الأسواق، ولا سيما أن وزارة التجارة قامت قبل ستة أشهر بإلزام أصحاب محال البصريات بعرض الفواتير خلال التفتيش للتأكد من مدى جودتها.
وبين السريع أن أكثر ما يتم بيعه في محال البصريات في البطحاء هي بضاعة مقلدة وبنسبة تصل إلى 95 في المائة.
وبالانتقال إلى أسواق أكثر تقدما في شمال العاصمة الرياض وتحديدا العليا، تبين أن المسألة لا تختلف كثيرا عما هو دائر في أسواق جنوب الرياض، حيث أكد أحمد ناجي محمد مدير فرع لأحد محال البصريات في طريق الملك فهد أن أكثر المحال أخيرا تتعامل مع الوكيل بدلا من المندوب لحفظ ضمان الوكيل أولا ثم اسم المالك الحصري للمحل وتعزيز المصداقية مع العملاء، إلا أن ذلك لا يمنع أن النظارات المقلدة تباع في تلك المحال، وذلك بهدف تلبية رغبات العملاء بأسعار أقل.
وأوضح أحمد ناجي أن بعض الماركات للنظارات الشمسية لجأت أخيرا إلى توفير أجهزة لفحص الجودة في محال البصريات الكبرى لمعرفة طبقات الحماية، والتحقق من تطابقها مع المواصفات.

مستوى الرقابة
من ناحيته، يرى شريف عاصم وهو مدير فرع لأحد محال البصريات في طريق العليا، أن وزارة التجارة كثفت الرقابة أخيرا على البروشورات أو التخفيضات التي يتم الإعلان عنها في محال البصريات مؤكدا أن بعض المحال تجري التخفيضات بهدف ترويج بضائع مقلدة أو مغشوشة.
ونوه شريف عاصم إلى أن المحال الكبرى في المملكة اعتمدت أخيرا طرقا أخرى لاستيراد النظارات من خلال التعاقد المباشر مع الشركات العالمية نفسها مثل "شانيل، توم فورد، بولجري، كارتيه"، وتجاوزت الموردين أو الوكلاء، مشيرا إلى أن الجهات الرقابية تأتي للمحال للتحقق من الفواتير وأسماء الماركات والأسعار.
في المقابل يعتقد عبد الله بن ربيع نائب مدير فرع أحد محال البصريات في طريق العليا أن جودة النظارات الشمسية وسمعتها عالميا - تكونان على حسب مصدرها أو الشركة المالكة لها، موضحا أن أكبر المخالفات التي تقع فيها محال البصريات هو أن تتعرض هي نفسها للغش من الوكلاء أو الموردين، مبينا أن كشف النظارات المقلدة يأتي على حسب الخبرة والمعرفة للعاملين في المحل وأجهزة المختبرات، والفواتير اللاصقة ودرجات طبقة الحماية.

دور الجهات الحكومية

كشف لـ "الاقتصادية" عيسى العيسى المتحدث الرسمي باسم مصلحة الجمارك العامة، أن عدد محاضر غش النظارات للعام الماضي 2017 بلغ 15 محضر ضبط، تم خلالها مصادرة نحو 20202 نظارة مقلدة أو مغشوشة.
وبين العيسى أن حجم واردات المملكة من النظارات بلغ في 2017 نحو 3.849.020 مليون نظارة، تجاوزت قيمة استيرادها 152.376.539 مليون ريال، موضحا أن الصين هي أكبر دولة مصدرة للنظارات إلى المملكة، تليها إيطاليا، فرنسا، أمريكا، الإمارات، اليابان، تايوان، ألمانيا، إستونيا، ثم الاتحاد الأوروبي.
من ناحيتها، أكدت مصادر في هيئة الغذاء والدواء لـ"الاقتصادية" أن الهيئة تسعى إلى ضبط جودة النظارات في المملكة، وأنها تشترط حاليا على الموردين الحصول على "رخصة منشأ" من هيئة الغذاء والدواء، لتمكينهم من فسح شحناتهم في المنفذ.

الأضرار الصحية
من جانبه، حذر الدكتور نواف بن منور العنزي استشاري طب وجراحة العيون في مستشفى الملك خالد التخصصي للعيون، في تقارير صحافية سابقة، من خطورة النظارات الشمسية المقلدة في السعودية وبين أن الأسواق مملوءة بهذه الأنواع التي يصعب تمييز بعضها لدقة تقليدها من حيث الشكل للأنواع والماركات الأصلية.
من جهته، يرى الدكتور عبد الله الأسمري إخصائي بصريات، أن خطورة هذه الأنواع المقلدة تكمن في أنها عبارة عن صبغة داكنة تؤدي إلى توسيع حدقة العين ما يعرضها لأكبر قدر من الأشعة فوق البنفسجية الضارة التي تؤثر في الشبكية والملتحمة والقرنية، وذلك بعكس أغلب النظارات الشمسية الأصلية التي عادة تأتي بطبقة وفلاتر للحماية من هذه الأشعة.
ونبه الأسمري من استخدام هذه الأنواع المقلدة ولا سيما مع ارتفاع درجات الحرارة العالية في فصل الصيف وكثرة الأتربة والغبار، حيث تزيد من حالات الحساسية وجفاف العيون ما يضاعف من أمراض العيون بسبب تعرضها لهذه الأشعة الضارة، حيث يمكن أن تتسبب في لحمية في العين أو "مياه بيضاء".
ونصح الراغبين في استخدام النظارات الشمسية باستخدام النظارات الشمسية الحديثة التي تتميز عدساتها بالمواصفات المطلوبة، التي تساعد في توزيع وتشتيت لمعان الضوء المنعكس وتستخدم عادة للرياضيين أو لمن يقودون السيارات تحت أشعة الشمس لفترات طويلة.
وأكد الدكتور مهند بن سعيد طبيب عيون، أن مشكلة النظارات المقلدة تكمن في عدم وجود فلاتر فيها أو طبقات تحمي من الأشعة فوق البنفسجية، خصوصا في السعودية التي تتميز بأن أشعتها فوق البنفسجية عالية جدا.


الأضرار الاقتصادية

يعد تهريب أو استيراد السلع المقلدة والمغشوشة واحدا من أوجه ما يعرف باسم اقتصاد "الظل"، الذي يشمل أشكال الدخل كافة التي لا يعبر عنها بشكل رسمي، ومنها أنشطة اقتصادية غير مشروعة وبسيطة وغير مؤثرة، كتهريب البضائع المقلدة، ويدخل أيضا ضمن اقتصاد الظل الغش والتستر التجاري، وتجارة السلع المسروقة والمهربة، التي من ضمنها بطبيعة الحال تداول النظارات المقلدة، إذ إنها لا تخضع للضرائب، كما أنها تضر بنشاط الوكلاء المعتمدين وحجم مبيعاتهم، إلى جانب أنها تعد خسارة للمستهلك.
وتعاني دول العالم ظاهرة الاقتصاد الخفي (اقتصاد الظل)، ويمثل هذا النوع من الاقتصاد نسبا عالية من الناتج المحلي في الدول النامية، حيث يقدر في المملكة بما يقارب 35 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بناء على تقديرات عالمية وأخرى صادرة عن صندوق النقد الدولي، أي ما يتجاوز 270 مليار ريال.
وبيع النظارات المقلدة والمغشوشة يؤدي إلى كسب المال بطرق غير مشروعة واختفائه من القيود المحاسبية في القطاعين العام والخاص.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- محلية