مركز الوعي الفكري والتطلعات

|

لا شك أن قرار وزير التعليم بإنشاء مركز للوعي الفكري يضم برامج "فطن" و"حصانة" و"التوعية الإسلامية" خطوة مباركة لتوحيد أهداف ثلاثة برامج تتقاطع أهدافها من أجل تحقيق هدف أسمى مرتبط بالمحافظة على الهوية الوطنية. فلا شك أن ارتباط المركز بوزير التعليم يعطي دلالة واضحة على دعم الوزير للمركز كما سيسرع تحقيق المركز المهام المنوطة به.
الجميل أن إنشاء مركز الوعي الفكري تزامن مع تدشين وزير التعليم لمكتب تحقيق الرؤية لوزارة التعليم الذي سيسهم في تسريع تحقيق وزارة التعليم أهداف "رؤية المملكة 2030" وبرنامج التحول الوطني 2020. فمن المؤسف –مثلا- أن وزارة التعليم لم تضع معايير لقياس مدى إسهام وزارة التعليم في تعزيز المواطنة الصالحة. كما أن من المؤسف أيضا أن مشروع مسودة نظام الجامعات لم يشر في أي من لوائحه إلى الجوانب المرتبطة بتعزيز المواطنة والحماية الفكرية لطلبة الجامعات، على الرغم من أن حماية الشباب والناشئة من الأفكار المنحرفة من أهم واجبات وزارة التعليم.
وقد سبق لي أن دعوت إلى أهمية إيجاد برامج مساندة تعزز من المواطنة الصالحة لدى ناشئة وشباب هذا الوطن خصوصا أن الفكر الإخواني وولاية الفقيه من أهم الأخطار التي يواجهها ناشئة وشباب هذا الوطن في ظل انحسار الفكر الداعشي والدولة التي كانت ترعاه. لذا فطموحنا يحدونا بأن يسهم مركز الوعي الفكري في اجتثاث الأفكار المتطرفة وتوفير الحماية الفكرية لشباب وأبناء هذا الوطن.
نظريا، لا شك أن وزارة التعليم لديها الأدوات والأرضية التي تستطيع من خلالها تفعيل المواطنة الصالحة وتحارب الأخطار التي تواجه شبابنا وأطفالنا فكريا. فالطالب منذ عمر السبع سنين أو قبل ذلك إلى عمر 18 وهو يتلقى أنشطة صفية ولا صفية تزرع من خلالها قيما وأفكارا وتوجهات تسهم في صقل شخصية الطالب وفكره. بعد ذلك تمتد مسؤولية وزارة التعليم لمدة تراوح بين أربع وست سنوات في غرس القيم والمبادئ والأفكار لطلبة البكالوريوس، هذا بخلاف مسؤوليتها نحو طلبة الدراسات العليا. فالطالب يمضي أكثر من ثلث عمره وهو يتلقى توجيها من قبل وزارة التعليم. لا شك أن هذه الفترة الطويلة كفيلة في إسباغ الطالب فكريا وعلميا وخلافه، كما أنها كافية لتعزز الهوية الوطنية على أصولها الصحيحة.
لكن عمليا، هناك صعوبات تواجهها وزارة التعليم سبق أن أشار إليها الأمير خالد الفيصل عندما ذكر أن جزءا من المشكلة التعليمية هو أن الطلبة يتلقون منهجا خفيا وهو المنهج غير الرسمي الذي تمرر من خلاله أفكار لا تكون من ضمن المنهج التعليمي. هذه الأفكار تتميز بأنها أفكار تغذي التطرف لدى الطلبة وجميع أفراد المجتمع. ولعل من أهم ما ذكره في هذا السياق أن هناك إرهابيين وهناك مخدرين. فالإرهابيون واضحون، لكن المشكلة الأكبر تكمن في كيفية التعامل مع المخدرين. فالمخدرون هم الذين يحاولون تقليل خطر الفكر الإرهابي ولا يعطونه الحجم الذي يستحقه وأحيانا يدعمونه في الخفاء وإن ظهروا بخلاف ما يبطنون. كما ذكر أن دعاة الفكر المتطرف قلبوا جلودهم وأصبحوا يتظاهرون بأنهم وسطيون ومعتدلون وأحيانا وطنيون.
فلا شك أن الوزارة تحتاج إلى تنقيتها ممن وصفهم الأمير بالمخدرين لأنهم من أهم الأخطار التي تواجه التعليم حاليا. وقد سبق لي أن ذكرت في أكثر من مناسبة أن دعوة الشباب إلى البعد عن الأفكار المتطرفة لن تؤتي ثمارها الحقيقية إذا وجد الطالب أن بعض القيادات سواء على مستوى التعليم العام أو الجامعي تتابع حسابات مشبوهة معروفة بمعاداتها لهذه البلاد وأهلها. فالطالب يتأثر بالفعل أكثر من تأثره بالقول. فكيف ننصح الطالب ألا يتابع حسابات مشبوهة، بينما بعض أعضاء هيئة التدريس أو القيادات في بعض الجامعات تتابع مثل هذه الحسابات؟! فالقدوة بالمواطنة الصالحة هي ما يتأثر به أبناؤنا أكثر بكثير من تأثرهم بما يقدم لهم من مناهج تعليمية أو محاضرات أو تصريحات إعلامية مباشرة. فالكل يتحدث عن الحرب على الإرهاب والجماعات المتطرفة لكن الفرق يكمن في مدى تصديق الأفعال للأقوال. فجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -مثلا- اتخذت خطوات عملية مباركة في سعيها أن تتوافق أفعالها مع أقوالها عبر إعلانها عدم التجديد أو الفصل لكل عضو هيئة تدريس يثبت انتماؤه أو تعاطفه مع "داعش" أو جماعة الإخوان، وإن كنت أعتقد أن هذا القرار الإيجابي يحتاج إلى ضبط من جهة محايدة حتى لا تكون آلية التنفيذ وفقا لأهواء الأشخاص أو نتيجة إسقاطات شخصية. فحماية الشباب والناشئة تتطلب ابتداء تمحيص الكادر التعليمي والتأكد من عدم أدلجته فكريا لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
لذا فمن أهم ما يحتاج إليه مركز الوعي الفكري أن يعيد تقييم ومراجعة اللجان الفكرية في الجامعات والتحقق من مدى فعاليتها وفقا لتحقيقها مخرجات ملموسة. كما أن المركز قد يحتاج إلى وضع لائحة تنظيمية تلزم بها الجامعات من أجل تقليل تباين أداء اللجان الفكرية بين الجامعات السعودية، حيث تكون التوقعات من هذه اللجان واضحة، أو قد يضطر المركز في مرحلة من المراحل لإعادة هيكلتها. كما آمل أن يبدأ المركز بالمشاركة في وضع استراتيجية وطنية تعزز من المواطنة الصالحة والصورة الإيجابية عن السعودية حيث يتكامل دور المركز مع الجهود الرسمية وغير الرسمية التي تسعى لإعطاء السعودية علامة وهوية وطنية حقيقية.
ختاما أعتقد أن توحيد جهود البرامج الفكرية تحت مركز واحد مرتبط مباشرة بوزير التعليم سيسهم في ردم الفجوة الموجودة فيما بينها، والأمل يحدونا أن نرى أثرا ملموسا لهذا المركز خلال الفترة القريبة المقبلة، فالطريق أمام المركز قد لا يكون معبدا بالزهور، والأهم من أجل أن يحقق المركز بعض أهدافه وألا تكون هناك مجاملة في التعامل مع المخدرين، فضلا عن المتطرفين فكريا.

إنشرها