منوعات

التردي الاقتصادي يسحق 43 % من الإيرانيين .. ويهدد بإسقاط «الملالي»

في الوقت الذي يواصل فيه الإيرانيون احتجاجهم على الممارسات القمعية للسلطات الإيرانية وقمعها للحريات، يرى المختصون أن تردي الوضع الاقتصادي في البلاد هو الدافع الأكبر وراء حركة الاحتجاج، مع تنامي معدلات الفقر والبطالة، وتفشي الفساد، وسوء الإدارة.
وقال إسفنديار بتمانقليج مؤسس مجموعة "أوروبا إيران بزنس فوروم" لـ "الفرنسية"، "ما يجعل الناس تنزل إلى الشوارع عادة هي المشكلات الاقتصادية، والإحباط من عدم وجود فرص عمل، والغموض في مستقبل أولادهم، ولا شكّ أن الإجراءات الاقتصادية في إيران صعبة، لكن صبر الناس لا بد أن ينفد من هذه الإجراءات".
وتشير البيانات الرسمية إلى أن 35 في المائة من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر، بينما تؤكد المعارضة أن تلك النسبة خادعة، إذ إن ما لا يقل عن 43 في المائة من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر، فيما تؤكد إحصائيات غير رسمية أن أكثر من نصف السكان يعانون الفقر المدقع.
وانطلقت شرارة هذه الاحتجاجات الخميس في مدينة مشهد، ثاني كبرى المدن الإيرانية، وسرعان ما عمّت عددا كبيرا من مدن البلاد، وأسفرت عن مقتل أشخاص وتوقيف مئات ووقوع أعمال عنف في مناطق عدة.
ولم يتردد بعض المتظاهرين عن الذهاب بعيدا في الشعارات مرددين "الموت للطاغية" ومستهدفين عددا من رموز النظام، في هذه الاحتجاجات الأكبر منذ عام 2009.
لكن الغضب الذي أثارته الأوضاع الاقتصادية ينتشر في المجتمع الإيراني منذ سنوات، وقد هيمن على الانتخابات الرئاسية التي جرت في أيار (مايو) الماضي.
وازداد الغضب مع انهيار مؤسسات إقراض كانت تتعامل مع ملايين المستثمرين. وهذه الشركات انتشرت منذ 2005 وانهارت مع انفجار الفقاعة العقارية.
ويقول المحلل السياسي المقيم في طهران مجتبى موسوي "لم تفاجئني هذه التظاهرات، لقد شهدنا في العامين الماضيين تظاهرات ضد المصارف وشركات الإقراض".
ويضيف "كل الناس يقولون إن المتظاهرين هم من الفقراء، لكن هناك كثيرا من المتظاهرين من أبناء الطبقة الوسطى الذين فقدوا أموالهم".
وتابع "النظام يفضّل التظاهرات السياسية، لأن التظاهرات ذات المطالب الاقتصادية تصعب السيطرة عليها".
وإضافة إلى الدوافع الاقتصادية الواضحة، ترتفع في إيران الأصوات المعترضة على التضييق على الحريات المدنية.
وقال المتحدث باسم جمعية علماء الدين المجاهدين ذات التوجهات المحافظة غلام رضا مصباحي مقدام "ينبغي للمسؤولين أن يُنصتوا للشعب. وعلى وسائل الإعلام أيضا مسؤولية أن تغطي التظاهرات".
ووفقا لـ "رويترز"، فقد تظاهر محتجون مناهضون للحكومة، في تحد لتحذير السلطات بشن حملة قمع صارمة، مواصلين أحد أكبر التحديات للنظام الإيراني، وذلك في يومها الخامس.
ويحتج عشرات الآلاف في مختلف أنحاء البلاد منذ يوم الخميس على نظام الملالي.
وأظهرت مشاهد مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي أن الشرطة في وسط العاصمة طهران استخدمت مدافع المياه في محاولة لتفريق متظاهرين تجمعوا في ميدان الفردوس.
ووردت تقارير أيضا عن تنظيم احتجاجات في مدينتي سنندج وكرمانشاه في غرب إيران إضافة إلى مدينة تشابهار في جنوب شرق البلاد وفي إيلام وايذه في الجنوب الغربي.
وصب المتظاهرون جام غضبهم في بادئ الأمر على المصاعب الاقتصادية وتفشي الفساد، لكن الاحتجاجات أخذت منحى سياسيا نادرا مع مطالبة أعداد متزايدة علي خامنئي مرشد إيران بالتنحي.
وهذه أكبر احتجاجات في إيران منذ اضطرابات عام 2009، وأظهرت لقطات مصورة محتجين يهتفون في وسط طهران "يسقط الدكتاتور" في إشارة إلى خامنئي.
وهتف محتجون في خرم أباد في غرب إيران "عار عليك يا خامنئي.. اترك البلاد وشأنها"!
ونقل التلفزيون الرسمي عن مصدر مطلع قوله "إن الحكومة قالت إنها ستحد من إمكانية استخدام تطبيقي تلجرام وانستجرام. وهناك أيضا تقارير عن قطع خدمة الإنترنت عن الهواتف المحمولة في بعض المناطق".
وقال إيراني لـ "رويترز"، عبر الهاتف وقد طلب عدم نشر اسمه "إن الشرطة وقوات الأمن منتشرة بشكل مكثف في وسط طهران".
وتابع "رأيت بضعة شبان يُعتقلون ويُزج بهم في سيارة فان للشرطة. إنهم لا يسمحون لأحد بالتجمع".
وأظهر تسجيل مصور اعتقال الشرطة محتجا في مدينة خوي في شمال غرب إيران في الوقت الذي كان فيه حشد يهتف "فلتذهب الشرطة لاعتقال اللصوص".
وقال موقع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية على الإنترنت "إن متظاهرين في مدينة تاكستان في غرب البلاد اقتحموا مدرسة".
وردد المتظاهرون أيضا هتافات مثل "شاه رضا.. طيب الله ثراك". وترديد مثل هذه الهتافات دليل على مستوى لم يسبق له مثيل من الغضب وكسر المحرمات.
ويندد المتظاهرون بارتفاع الأسعار والفساد وسوء الإدارة. وبلغت نسبة البطالة بين الشباب 28.8 في المائة في 2017.
والمؤشرات الاقتصادية في ظل النظام الإيراني بطيئة جدا بالنسبة إلى عدد كبير من السكان الشباب المهتمين أكثر كثيرا بالوظائف والتغيير.
والمظاهرات مثيرة للقلق بشكل خاص لحكومة روحاني لأنه انتخب بعد تعهده بضمان حرية التعبير والتجمع. ولم يحقق بعد الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع القوى العالمية في 2015 فوائد اقتصادية للقاعدة العريضة من الإيرانيين مثلما وعدت الحكومة. ويهدف الاتفاق إلى كبح البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع أغلب العقوبات الدولية المفروضة عليها. ويعتبر روحاني هذا الاتفاق أبرز إنجازاته.
وأظهرت مشاهد مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي أسرا متجمعة أمام سجن إيفين في طهران مطالبين بمعلومات عن أبنائهم الذين اعتقلوا في الأيام الأخيرة.
وسبق أن استخدمت قوات الشرطة والحرس الثوري العنف لسحق اضطرابات سابقة. وقد تثير هذه المظاهرات الجديدة قلقا أكبر للسلطات لأنها تبدو عفوية وبلا قائد واضح.
لكن المحللين يقولون "إن قادة نظام إيران يعتقدون أن بإمكانهم الاعتماد على دعم كثيرين من جيل الشباب الذي شارك في 1979 نظرا لالتزامهم الفكري والمكاسب الاقتصادية التي جنوها".
ولم يحث أي حزب سياسي الإيرانيين على النزول إلى الشوارع، كما أن زعماء المعارضة الذين ألهبوا مشاعر الإيرانيين في 2009 ما زالوا رهن الإقامة الجبرية. وإضافة إلى ذلك فإن معظم الشعارات التي رفعت تشير إلى استياء في أوساط طبقات اجتماعية مختلفة من سياسات الحكومة.
وعبر الإيرانيون أيضا عن غضبهم لتدخل بلادهم في سورية والعراق.
وأظهرت مشاهد مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي محتجين في مدينة شيراز وهم يمزقون صورة لقاسم سليماني قائد فيلق القدس وهو أحد أفرع الحرس الثوري الإيراني الإرهابي ويتولى العمليات خارج البلاد في العراق وسورية وغيرهما.
وأبدى ترمب ونواب من الحزب الجمهوري يوم أمس الأول دعمهم الصريح للاحتجاجات.
وقال ترمب في تغريدة "احتجاجات ضخمة في إيران. الشعب أدرك أخيرا كيف أن أمواله وثروته تُسرق وتهدر على الإرهاب".
وأضاف "يبدو أنهم لن يقبلوا بهذا أبدا بعد ذلك. الولايات المتحدة الأمريكية تراقب عن كثب انتهاكات حقوق الإنسان".
وكان الدكتور فريهاد علي شيرازي المختص الاقتصادي، أحد الأصوات التي سبق أن حذرت من تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، نتيجة هيمنة حفنة محدودة من الأشخاص والمؤسسات على المقدرات الاقتصادية للشعب بكامله، وغياب الشفافية وعدم المحاسبة الذي أسهم في تفشي الفساد واتساع نطاقه إلى مستويات غير مسبوقة، قد أكد أن بوادر الثورة التي تشهدها إيران الآن، تعكس غضب الطبقة المتوسطة من تدهور مستوى معيشتها، وتكشف عن وعي سياسي رفيع المستوى بأن تزايد النفقات الإيرانية في الخارج لتمويل أنشطتها العسكرية في العالم العربي، لم تعد على الشعب الإيراني إلا بتدهور في مستوى المعيشة.
وقال لـ "الاقتصادية" في وقت سابق "معدلات البطالة مرتفعة للغاية، والأكثر خطورة يتمثل في أن البطالة تتركز بين الشباب من الجنسين، الذين يمثلون نحو 70 في المائة من عدد سكان إيران البالغ 80 مليون نسمة تقريبا، كما أن كل البرامج الحكومية لمحاولة إنعاش الاقتصاد الإيراني باءت بالفشل، فالاقتصاد يعاني الركود، والناتج المحلي الإجمالي يتوقع أن يتراجع، ومعدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي سلبي أو منخفض للغاية، وهذا بالطبع يجعل معدلات البطالة مرتفعة".
وأضاف "الأوضاع الاقتصادية في مثل هذا التوقيت، تكشف عن الفجوة العميقة بين القيادة السياسية والمرشد علي خامنئي من جانب والطبقة المتوسطة التي تعاني الأمرين من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة".
وإذ يعتقد البعض أن المظاهرات التي تشهدها المدن الإيرانية تعكس حجم الصراع الدائر بين المؤسسات الإيرانية المختلفة، وتحديدا بين الحرس الثوري والمحافظين من جانب والرئيس حسن روحاني من جانب آخر، حيث إن الميزانية الإيرانية لعام 2018 التي تضمنت زيادة في بعض الضرائب، كانت كفيلة بتفجير الوضع، في ظل معدلات الفقر في إيران.
ويرى الدكتور أرون سان أستاذ النظم السياسية، أن الثورة الإيرانية الراهنة مزيج من الإخفاق الاقتصادي المؤلم والإحباط السياسي العنيف.
وقال لـ "الاقتصادية"، "إن ما يحدث في إيران يفصح عن فشل تام للنموذج الإيراني اقتصاديا وسياسيا، حيث إن الادعاءات الإيرانية التي تم الترويج لها لقرابة ثلاثة عقود بأن الاقتصاد يعتمد على الذات، وأنه قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي، ورفع مستوى معيشة شعبه، رغم تواصل هيمنته وتوسعه الخارجي، ذهبت الآن أدراج الرياح".
وأكد أن الثورة الشعبية الراهنة تعلن بشكل صريح فشل النموذج التنموي الإيراني، وفي الحقيقة فإنها تكشف أن مقدرات الشعب الإيراني صبت جميعها في خدمة المؤسسة العسكرية، لإنتاج أوهام قومية ومذهبية، لم تعد على الشعب بأي نتيجة إيجابية، وهو ما يشاهده الجميع الآن في تآكل المستوى الاقتصادي المتدني في الأساس للطبقة المتوسطة الإيرانية.
وقال لـ "الاقتصادية"، نادر مرتضى الباحث في الشؤون الإيرانية "البرنامج التوسعي للحرس الثوري الإيراني في العراق وسورية واليمن ولبنان، كان مكلفا للغاية، وتضمن هدرا ضخما للموارد الإيرانية، ونظرا لأن هذا المشروع التوسعي عسكري في الأساس، وترويج الحرس الثوري أنه يمس مباشرة الأمن القومي الإيراني، فإن الجانب المالي الخاص بتمويله اتصف دائما بسرية مفرطة، فلا أحد يعلم قيمة المساندة المالية التي تقدم لقادة حزب الله، والحوثي ليواصلوا الولاء لإيران، ولا أحد يعلم قيمة المبالغ المالية التي تنفقها إيران لتأمين نصر الله والحوثي، أو التي ترصد لضمان استمرار الحشد الشعبي في العراق قوة عسكرية موازية للجيش العراقي، أو المليارات التي ضخت في شكل مساعدات مالية لنظام بشار الأسد".
وأضاف "تلك السرية أدت إلى تفشي الفساد بشكل كبير للغاية بين قيادات الحرس الثوري، التي حققت ثروات ضخمة نتيجة عدم المحاسبة، وقبول مرشد إيران بهذا الوضع لضمان نجاح المشروع المذهبي، بينما تعجز الحكومة عن مواجهة قيادة الحرس الثوري والفساد المستشري في الداخل".
ولفت إلى أن جراء هذا زاد الشعور الشعبي المتنامي بأن القيادات السياسية والدينية والعسكرية تشكل تحالفا للثراء على حساب مجمل الشعب وتحديدا الطبقة المتوسطة، ولذلك فالانفجار الشعبي الأخير والشعارات التي رفعت فيه لم تكن فقط نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتراجع مستوى المعيشة، إنما احتجاج واضح على البرنامج التوسعي الإيراني، الذي أدى إلى تفاقم عدم المساواة بين الطبقات المختلفة، ونجم عنه عزلة إيران إقليميا ودوليا، وهذا يتنافى مع قيم الطبقة المتوسطة بصفة عامة، التي ترغب في مزيد من الانفتاح على العالم الخارجي، لتطوير قدرات أبنائها لمواكبة مستلزمات العصر.
ويرى المختصون أن الإيرانيين لم يعودوا يتأثرون بنظرية المؤامرة، التي كانت تستهدف تغييب وعي الإيرانيين عن ظروف حياتهم المعيشية المتردية، إذ تظهر إحصائيات أن ايران تعد ضمن أعلى الدول في العالم فسادا.
وتقع إيران في المرتبة 131 عالميا في مكافحة الفساد، من بين 176 دولة يرصدها مؤشر منظمة الشفافية العالمية.
كما تشير البيانات الصادرة إلى أن إيران بين أسوأ دول العالم في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال بحسب بيانات البنك الدولي لعام 2017، كونها تقع في الترتيب 124 من بين 190 دولة يرصدها المؤشر، وهو ما جعل الاستثمار الأجنبي في البلاد ضئيلا للغاية.
ووفقا لتحليل وحدة التقارير في صحيفة "الاقتصادية"، فإن أحد المؤشرات المهمة الطاردة للاستثمار الأجنبي في إيران، أن أسعار الفائدة "تكلفة التمويل أو الاقتراض" لديه من بين الأعلى عالميا، حيث يبلغ 18 في المائة، ما يجعلها تأتي في تاسع أعلى دولة في العالم من حيث أسعار الفائدة، من بين 150 دولة تتصدرها الأرجنتين وسورينام بـ 29 و25 في المائة على التوالي.
وتعادل ديون إيران 35 في المائة من الناتج المحلي للبلاد بنهاية العام الماضي.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من منوعات