طموح تجاوز التحديات .. وتحقيق الأهداف

|
أنهى الاقتصاد الوطني عام 2017 على انكماش محدود في نموه الحقيقي بمعدل 0.74 في المائة، مقارنة بمعدل نمو 1.7 في المائة حققها خلال 2016، بتأثر النمو الاقتصادي المحلي بانخفاض القطاع النفطي بمعدل 2.97 في المائة نتيجة خفض الإنتاج المشترك والمتفق عليه مع بقية الدول المنتجة للنفط، وساهم التحسن الملموس في معدل نمو القطاع غير النفطي في تخفيف حدة تراجع الأداء الاقتصادي خلال العام، مسجلا معدل نمو تجاوز 1.0 في المائة، متجاوزا بذلك معدل نموه خلال 2016 الذي بلغ 0.2 في المائة، ويعزى التحسن في نمو القطاع غير النفطي إلى تسارع النمو الحقيقي للقطاع الخاص بأعلى من 0.7 في المائة، مقارنة بمعدل نموه المحدود خلال العام السابق بنحو 0.07 في المائة. وأظهرت الصناعات التحويلية (دون تكرير الزيت) نموا حقيقيا إيجابيا خلال 2017 بلغ 0.8 في المائة، مقارنة بمعدل نمو سلبي سابق بلغ 0.7 في المائة، ولا تزال مساهمتها إلى الناتج المحلي الإجمالي في مستويات متدنية، لم تتجاوز بالأسعار الثابتة سقف 8.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة الحقيقية التي تعكس درجة التنوع في القاعدة الإنتاجية المحلية، يؤمل مع تدشين برامج الإصلاح الاقتصادي الراهنة والواسعة النطاق، التي بدأ تنفيذها منذ 2016 أن تدفع بتنوع قاعدة الإنتاج المحلية نحو مزيد من التقدم والاتساع، لما يمثله الرهان عليها من قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني، ستؤدي مستقبلا إلى زيادة استقلال الاقتصاد الوطني عن النفط، وتعزز من استقرار تدفقاته المالية الداخلة، إضافة إلى الأهمية القصوى له في زيادة قدرة الاقتصاد على إيجاد المزيد من آلاف الوظائف المجدية أمام الباحثين عن فرص عمل من المواطنين والمواطنات. وهو أحد التحديات التي يسعى الاقتصاد الوطني حثيثا لتجاوزها خلال العقد ونصف العقد المقبل، تحت بنود البرامج التنفيذية لـ"رؤية المملكة 2030"، وهو الهدف المنشود تحقيقه بمشيئة الله تعالى بالاعتماد الكبير على الكوادر الوطنية كرأسمال أول، ثم بالاعتماد على عديد من الركائز والموارد المتاحة لدى بلادنا بفضل الله. بدأ العمل قبل نحو عامين من تاريخه على إعادة توجيهها وإدارتها وفق رؤية جديدة، قيدت آليات عملها الراهن بكثير من أدوات الرقابة والمتابعة المستمرة، والتزمت بالرجوع إلى مؤشرات أدائها دوريا للتعرف على ما تم إنجازه خلال المراحل الزمنية، لتصحيح أية اختلالات قد تطرأ على الأداء، وتعزيز مصادر الأداء الجيد للاقتصاد عبر مختلف نشاطاته المتنوعة. وقبل نهاية العام الماضي، عاد معدل التضخم إلى مستوى أعلى من الصفر، بعد نحو عشرة أشهر من النمو السلبي نتيجة ركود الأداء الاقتصادي، مستقرا في منطقة مقاربة لنحو 0.1 في المائة مع نهاية نوفمبر الماضي، ويتوقع أن يشهد تسارعا في نموه خلال النصف الأول من 2018، نتيجة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية (ضريبة القيمة المضافة، إصلاح أسعار استهلاك الطاقة، رسوم العمالة الوافدة)، يتوقع أن تعود إلى الاستقرار مع النصف الثاني للعام، نتيجة لتكيف مختلف نشاطات الاقتصاد الوطني، وللدعم الحكومي المخصص للأسر المتوسطة وذات الدخل الأدنى، إضافة إلى الدعم الحكومي المخصص للقطاع الخاص، ومساعدته على التكيف مع التحولات الراهنة التي يجري العمل على تنفيذها للاقتصاد وبيئة الأعمال المحلية. على مستوى سوق العمل والتوظيف، استمر معدل البطالة بين السعوديين في الارتفاع من مستوى 12.3 في المائة في نهاية 2016، ليستقر مع منتصف العام الماضي وفقا لأحدث بيانات تم نشرها من قبل الهيئة العامة للإحصاء عند مستوى 12.8 في المائة (736.3 ألف عاطل)، ويتوقع أن تعود للتراجع ولو بصورة أقل من الملموس خلال النصف الثاني من العام، نتيجة البدء بتطبيق عديد من برامج التوطين الأخيرة، إلا أن الأمل معقود خلال العامين الراهن والمقبل بمشيئة الله على نتائج تصحيح وتطوير مختلف نشاطات الاقتصاد الوطني الجاري العمل عليها، كونها الركيزة الأساسية لمعالجة التشوهات التي طالما عاناها الاقتصاد الوطني عموما، وسوق العمل المحلية على وجه الخصوص، لعل من أهم أسسها العمل على تحفيز رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية على التوسع في الاستثمار محليا، والنأي عن تخزين الثروات الوطنية في مجرد أصول راكدة كالأراضي غير المستغلة وغير المطورة، والخروج بخطوات أسرع وأكبر من بيئات الأسواق المحلية التي قد تكون عانت كثيرا سيطرة العمالة الوافدة ونشاطات التستر التجاري، أو عانت عدم المنافسة وسيطرة الاحتكار عليها، وهو بلا شك أحد التحديات الكبيرة محليا، التي يتم العمل في الوقت الراهن ومستقبلا على محاربتها دون هوادة ودون تأخير، وسيشكل تحقيق ذلك الهدف المنشود بعدة درجات خلال العام الجديد وما سيليه من أعوام أحد أكبر وأهم الأهداف المعمول على تحقيقها وفق البرامج التنفيذية لـ"رؤية 2030"، الأمر الذي سيسهم بكل تأكيد في تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على إيجاد الآلاف من فرص العمل أمام العاطلين والعاطلات، ويساعد بدوره على خفض معدلات البطالة من مستوياتها المرتفعة في المرحلة الراهنة. قد لا يختلف العام الجديد في تحدياته السابقة التي بدأت في الصعود بدرجة أكبر منذ منتصف 2014 مع تراجع أسعار النفط، إنما الاختلاف يكمن في كيفية مواجهة تلك التحديات الجسيمة، لما قامت به المملكة من جهود طموحة وجريئة في الوقت ذاته طوال العامين الماضيين، ويتوقع أن تشهد ارتفاعا أكبر وأقوى في مستوياتها خلال العام الجديد، ما سيؤهلها بإذن الله تعالى لتجاوز تلك التحديات الكأداء، وفي الوقت ذاته يدفع بمقدرات الاقتصاد الوطني نحو فرص نجاح أكبر، وإن تخللتها بعض الآلام المرحلية قصيرة ومتوسطة الأجل، إلا أنها في نهاية الأمر وبعد تجاوزها ستتيح للبلاد والعباد فرصا واسعة بإذن الله تعالى، وستسهم في تحسين مستويات الإنتاج والتشغيل، وفي تحسين مستويات المعيشة أمام أفراد المجتمع. والله ولي التوفيق.
إنشرها