محليات

التأثير الإيجابي لضريبة القيمة المضافة

تبدأ المملكة اليوم رسميا تطبيق ضريبة القيمة المضافة VAT وفقا للاتفاقية الخليجية، وقد أحسنت حكومة خادم الحرمين الشريفين عندما لم تؤجل تطبيقها بل اعتمدت بدلا من ذلك على أمرين معا، الأول هو تخفيض سعرها من 10 في المائة إلى 5 في المائة وبالتالي سيكون الأثر معقولا ومحدودا، الأمر الآخر هو دعم الأسر الأقل دخلا لمواجهة تحدياتها. وهنا سنناقش في عجالة ما يمكن أن تقدمه هذه الضريبة من منافع للاقتصاد. فهي كما هو اسمها ترتكز على مراحل إضافة القيمة للاقتصاد، والقيمة تتم إضافتها عبر ما يسمى سلسلة إنتاج القيمة، وهي تبدأ دائما من استخراج المواد الخام ثم مرحلة تصنيعها ثم بيعها وكذلك خدمات ما بعد البيع، وبين كل مرحلة عدة مراحل من إضافة القيمة مثل النقل والتخزين والعمل، ولهذا فإن القيمة النهائية لأي سلعة تتضمن مراحل عديدة من الإضافة. هذه المراحل بكل تنوعها هي التي تشكل الاقتصاد. والكثير من الاقتصادات النامية استطاعت أن تحقق نموا اقتصاديا بمجرد اكتشاف مراحل القيمة، وما يناسب اقتصاداتها من كل سلعة ومرحلة، ومن ثم الدخول في إحدى هذه المراحل للعبور نحو الاقتصاد العالمي وتدفق السلع والأموال ثم توغلت حتى استطاعت سحب البساط بالكامل من دول صناعية عميقة. ومع الأسف الشديد فإن الاقتصاد السعودي وبسبب اعتماده على النفط لتمويل المصروفات العامة للدولة تجاهل عملية استكشاف سلاسل القيمة المضافة في كل السلع المستهلكة في المملكة بشكل كبير، وبقينا نعمل في آخر مراحل السلسلة كمستهلكين أو موزعين وبعض خدمات ما بعد البيع على مضض. ولهذا نتوقع أن لفرض ضريبة القيمة المضافة أثرا إيجابيا من حيث تشجيع إعادة اكتشاف الاقتصاد السعودي وكذلك رجال الأعمال لفهم مراحل القيمة المضافة وبالتالي الدخول في مراحل متقدمة منها من أجل تخفيف العبء الضريبي، فبدلا من استيراد السلع بأسعار تتضمن النقل والتخزين قد يقرر المنتجون السعوديون تصنيع هذه السلع لتحقيق وفورات ضريبية تسمح بالمنافسة والفوز بحصص أكبر في السوق. وأيضا سوف تكتشف المؤسسات الصغيرة مساحات واسعة للعمل مع ما ستكتشفه الجهات الممولة من فرص.
ضريبة القيمة المضافة سوف تطور وبشكل مذهل إيرادات الدولة، فهي من جانب تحقق دخلا يمول ربع الميزانية العامة، وسيمنح استقرارا اقتصاديا مهما، وهذا سيعزز من فرص التنمية وبالتالي الإنفاق الحكومي والحركة الاقتصادية ثم إكمال الدورة مع تحول التنمية والنمو الاقتصادي إلى نمو في حركة النقد وبالتالي نمو في الإيرادات الضريبة والعودة لنمو الإنفاق الحكومي التنموي وهكذا في استدامة اقتصادية. فالاقتصاد عبارة عن ميكانيكية تحتاج إلى قوة دافعة، وأن تتصف هذه القوة بالاستقرار النسبي، ما يجعل الحركة متسقة خالية من الاهتزازات الحرجة، ولقد أسهم النفط لعقود في تحقيق ذلك، لكن مع النمو السكاني والجغرافي، والامتداد الأفقي الكبير للخدمات الحكومية في شتى أقطار المملكة، ومع خطط التوازن التنموية، كل ذلك جعل قدرة النفط كممول وحيد محل شك كبير. وهذا يضعف التنبؤ الاقتصادي ويربك الحركة الاقتصادية عموما وقدرة رجال الأعمال سواء كانوا كبارا أو صغارا على مواكبة التمدد أو حتى الاستفادة منه، لكن مع وجود مصادر أخرى أكثر استقرارا مثل ضريبة القيمة المضافة تصبح التنمية واقعا حتى قبل أن تكون.
ضريبة القيمة المضافة ستمكن المجتمع من اكتشاف سلوكه وتقييمه بشكل أكثر رشدا، فالضريبة تغير من سلوك المستهلك، فالادخار قد يرتفع مع تقلص المشتريات من السلع الأقل أهمية التي لها أضرار، وسلوك الادخار قد يعزز من قدرة المجتمع مستقبلا على الاستثمار لتحسين مستويات الدخل وتعويض آثار الضريبة وهذا قد ينعكس مستقبلا على نمو سوق الأسهم، مع نمو قدرة البنوك التمويلية لرجال الأعمال، وهو ما يساعدهم على تمويل مشروعات قد تصبح شركات مساهمة تدر عوائد جيدة من جانب وتقلل من أثر الضريبة مع تقليص سلسلة القيمة المضافة، لأنه كلما تمددت سلسلة القيمة زاد العبء الضريبي على المستهلك. وكما أشرنا من قبل فإن ضريبة القيمة المضافة تمكن من استكشاف السوق والفرص وتحقيق مكاسب من خلال الضريبة نفسها، بل قد تقود الضريبة بعد سنوات من تطوير الحركة الاقتصادية نفسها والصناعة في المملكة إلى تراجع الأسعار، مع نمو اقتصادي أفضل. فالضريبة تمكن المستهلك من استكشاف أدواته والبحث عن بدائل في السلع تحقق له تعظيم المنفعة مع ثبات السعر أو سعر أقل. إضافة إلى الإحساس بأهمية القيمة المالية للمبلغ وكيفية صرفه في الاتجاه الصحيح.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من محليات