مستقبل العولمة والاستقرار المالي

|

هناك ثلاثة أسباب تشير إلى أن مستقبل العولمة المالية يمكن أن يكون أكثر استقرارا من الماضي، على الأقل على المدى المتوسط.
أولا: تغير مزيج التدفقات الرأسمالية العابرة للحدود بشكل كبير وبطرق ينبغي أن تؤدي إلى الاستقرار. فمنذ الأزمة، شكل الاستثمار الأجنبي المباشر 54 في المائة من التدفقات الرأسمالية العابرة للحدود، مرتفعا من 26 في المائة قبل عام 2007. ونظرا للحقائق الجديدة في تنظيم البنوك، والتدقيق من جانب حاملي الأسهم، من غير المرجح أن يعود حجم الإقراض العابر للحدود إلى مستويات ما قبل الأزمة في المستقبل القريب. وسيعزز هذا التحول نحو الاستثمار الأجنبي المباشر الاستقرار في التدفقات المالية العابرة للحدود. ونظرا لأن الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل الاستراتيجيات طويلة الأجل للشركات فيما يتعلق بأثرها العالمي، فإنه يعد أقل نوع من التدفقات الرأسمالية تقلبا. ومشتريات الحافظة من حصص الملكية والسندات أقل تقلبا أيضا من الإقراض العابر للحدود، وشكلت هذه المشتريات أكثر من 40 في المائة من إجمالي التدفقات الرأسمالية منذ الأزمة. والإقراض عبر الحدود، ولا سيما الإقراض قصير الأجل، هو أكثر أنواع التدفقات الرأسمالية تقلبا، وينبغي أن يحظى تراجعه بالترحيب.
ثانيا: النمو المطرد لتحويلات العاملين إلى بلدانهم الأم. وهذه التحويلات أكثر استقرارا من الاستثمار الأجنبي المباشر نفسه وزادت بفضل زيادة الهجرة العالمية. ولا تحسب تحويلات العاملين على أنها تدفقات رأسمالية في ميزان المدفوعات الوطني، وكانت قليلة جدا في الماضي. ولكنها أصبحت اليوم مصدرا كبيرا للتمويل في الاقتصادات النامية. وبحلول عام 2016، بلغت تحويلات العاملين إلى هذه الاقتصادات ما مجموعه 480 مليار دولار تقريبا، مقارنة بمجرد 82 مليار دولار في عام 2000 و275 مليار دولار في عام 2007. وهي تعادل الآن 60 في المائة من التدفقات الرأسمالية الخاصة (الاستثمار الأجنبي المباشر، وتدفقات حوافظ حصص الملكية والدين والإقراض عبر الحدود) وتبلغ ثلاث مرات حجم المساعدة الإنمائية الرسمية. ومن المرجح أن تواصل تحويلات العاملين النمو مع استمرار الزيادة في الهجرة العالمية وتطور التكنولوجيات مثل المدفوعات باستخدام سلسلة التجمع والدفع عبر الهاتف النقال التي تجعل التحويلات أكثر سهولة وأرخص سعرا.
ثالثا: تقلص وفرة المدخرات العالمية التي ظهرت قبل الأزمة. وتقلصت الاختلالات العالمية في الحسابات المالية والرأسمالية من 2.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي في عام 2007 إلى 1.7 في المائة في عام 2016. ويؤدي ذلك إلى انخفاض احتمالات أن تسفر إزالة هذه الاختلالات فجأة عن حدوث تقلبات في أسعار الصرف وأزمات في ميزان المدفوعات في بعض البلدان. وإضافة إلى ذلك، تنتشر اليوم العجوزات والفوائض في عدد أكبر من البلدان، وانحسرت الاختلالات الكبيرة في الصين والولايات المتحدة. وهناك نقاش الآن بين الاقتصاديين حول إمكانية استمرار الاختلالات العالمية الأصغر حجما.

لا مجال للشعور بالرضا
لا يوجد في أي من هذه التطورات ما يدعو إلى الشعور بالرضا. فلا تزال التدفقات الرأسمالية الإجمالية متقلبة، ومن المحتمل أن تؤدي إلى تقلبات في أسعار الصرف للاقتصادات النامية. ولا محالة من أن يأتي النظام المالي العالمي المتشابك بإحكام بمخاطر حدوث أزمات وعدوى. وفقاعات الأصول والانهيارات قديمة مثل الأسواق نفسها.
وإذا كنا قد تعلمنا أي شيء من الماضي فهو أن الاستقرار يتحقق بصعوبة ويفقد بسهولة بالغة. وفي الوقت الذي بدأنا فيه نرسم أنماطا جديدة للاندماج المالي العالمي بعد التغير العنيف الذي حدث في السنوات العشر الماضية، فهناك إعاقة جديدة ـــ ومغيرة لقواعد اللعبة ـــ آتية في شكل تمويل رقمي. فمن المرجح أن تؤدي زيادة انتشار استخدام التكنولوجيات المالية الجديدة مثل المنصات الرقمية وسلسلة التجميع والتعلم الآلي إلى توسيع المشاركة في التمويل العابر للحدود وتسريع التدفقات الرأسمالية. وستكون هناك فرص هائلة، ولكن ستكون هناك أيضا منافسة شرسة. ولا يعرف أحد منا حتى الآن ما المخاطر الجديدة التي يمكن أن تنشأ نتيجة التدفقات الأسرع لرأس المال حول العالم، ولكن من المهم جدا توخي اليقظة والانتباه جيدا للتهديد القادم الذي سيتعرض له الاستقرار.

إنشرها