FINANCIAL TIMES

تنازع حصص المنبع والمصب إيذان بحرب مياه النيل

لا شيء يوضح مدى اعتماد مصر على نهر النيل، بقدر ما توضحه نظرة من الجو للبلد.
وسط صحاري شاسعة، يبدو النهر وضفافه المزروعة، كما لو أنه شريط أخضر ضيق يتلوى ليشق طريقه نحو الشمال، حيث يتسع مداه ليشكل ما يعرف بالدلتا، قبل أن يتشعب إلى فرعين يمثلان بدوريهما مصب النهر العظيم على البحر المتوسط، بعد رحلة طويلة شائكة وشيقة.
هنا حيث تعيش الأغلبية العظمى من شعب مصر الذين يبلغ تعدادهم 94 مليون نسمة. أما بقية البلاد، فمعظمها رمال أو صحارى غير صالحة للسكن، باستثناء الواحات ومناطق متناثرة.
الآن، تخشى القاهرة من أن الخطة الإثيوبية المتمثلة في بناء سد ضخم على النيل الأزرق، الذي يمثل حصة الأسد من مياه نهر النيل، من أجل توليد الطاقة الكهرومائية.
النيل الأزرق يمثل مصدر معظم المياه التي تصل إلى مصر، وتتخوف القاهرة من أن ينتج عن ذلك التأثير في حصتها من الماء.
في الأسابيع الأخيرة، ارتفعت حدة التوتر بين القاهرة وأديس أبابا. مع تصعيد لهجة الخطاب، قال عبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري إن النيل هو: "مسألة حياة أو موت" بالنسبة لبلاده، وإنه "لا أحد يمكنه الاقتراب من حصة مصر في تلك المياه". ردت إثيوبيا بأن السد هو مسألة حياة أو موت بالنسبة لها أيضا.
من جهة أخرى، هناك ما يقال من أن الخرطوم - السودان دولة ممر ما بين إثيوبيا دولة المنبع ومصر دولة المصب - ترى أن القاهرة غاضبة لأن من شأن السد تمكين السودان من الاستفادة من مزيد من مياه النيل الأزرق، بما يتوافق مع حصته المتفق عليها، بدلا من السماح لتلك المياه بالتدفق نزولا إلى مصر، على حساب حصته.
في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، انهارت المحادثات بين البلدان الثلاثة، حول أفضل السبل لإدارة تأثير سد النهضة الإثيوبي العظيم - وهو مشروع للطاقة الكهرومائية بتكلفة 4.8 مليار دولار، سيكون الأكبر من نوعه في إفريقيا، ومن شأنه أن يشكل محوراً لخطط التنمية الاقتصادية لإحداث التحول في إثيوبيا المستقبل.
يرفض مسؤولون في إثيوبيا التعليق. إلا أن نظراءهم المصريين يرون أن البلدان الثلاثة قد فشلت في التوصل إلى اتفاق حول أحكام الإسناد، لدراسة كلف بها بيت خبرة واستشارات فرنسي حول تأثير مشروع السد تحت التشييد، في البلدان أدنى النهر التي تستفيد من مياه النيل.
يوم الثلاثاء الماضي، سافر سامح شكري، وزير الخارجية المصري، إلى أديس أبابا لإجراء محادثات.
وقد أكد مخاوف مصر المتعلقة بأمن المياه، وقال إن القضية حساسة جدا بالنسبة لبلاده، على نحو لا يكفي معه الاعتماد على "وعود وتأكيدات بوجود نوايا حسنة"، فحسب، واقترح إدراج البنك الدولي كـ"طرف محايد" (يلعب دور الحكم) في المفاوضات بين الدول الثلاث.
في قلب النزاع، تكمن مخاوف مصر من أنه حين يُبنى السد الإثيوبي، فإن مصر ستتلقى حصة من الماء تقل عن المعدل السنوي البالغ 55.5 مليار متر مكعب، وهو القدر الذي تقول القاهرة إنه الحد الأدنى الذي تحتاج إليه، خصوصا خلال المرحلة الابتدائية، حين تتم تعبئة الخزان خلف السد الإثيوبي، عقب استكمال تشييده.
وقال خالد أبو زيد، الأمين العام لاتفاقية شراكة المياه المصرية، وهي مجموعة غير حكومية، إن: "الحجم الذي تستهلكه مصر حاليا من المياه، والبالغ 55.5 مليار متر مكعب غير كاف،
وإن مصر تعمل منذ الآن على إعادة تدوير المياه عدة مرات، وتستخدم مياه الصرف الصحي المعالجة وغير المعالجة أيضاً، وتعمل أيضا على تحلية مياه البحر".
يشار إلى أن معظم استخدام مصر الحالي من تلك المياه، يأتي من مياه النيل الأزرق الذي يجري بناء السد الإثيوبي عليه.
من جانبها، فإن إثيوبيا تصر على أن السد لن يؤثر سلبا في حصص البلدان التي يمر بها النيل، بمجرد أن يتم ملء الخزان البالغة سعته 74 مليار متر مكعب.
وهي فوق ذلك ترفض الاعتراف رسميا بما تعتبره القاهرة حقا لها في الحصول على 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويا. يتم تحديد ذلك الحجم بموجب اتفاقية مبرمة في عام 1959 بين مصر والسودان (وبين مصر وبريطانيا في 1929).
الإشكالية هي أن إثيوبيا ليست موقعة على أي من الاتفاقتين. تجادل أديس أبابا منذ فترة طويلة بأن جارتيها في الشمال عمدتا إلى تقاسم كامل لحصص تدفق النهر دون مراعاة لاحتياجاتها (حقوقها الطبيعية) كدولة منبع.
يقول محللون إن تشدد الموقف الحالي لإثيوبيا مدفوع إلى حد ما، بالاستياء المستمر منذ عقود، على ما ترى أنه تجاهل أو حتى تحامل عليها، بقدر من الإجحاف.
يشير محللون إلى أن موقف السودان، الذي لطالما كان حليفا لمصر، يكاد أن يتطابق الآن مع موقف إثيوبيا، وهو ما يمكن فهمه على خلفية توتر العلاقات جراء نزاع السيادة على مثلث حلايب المتنازع عليه.
من جهة اخرى، يشير الخبراء أيضا إلى أن السد الجديد من شأنه أن ينهي التقلبات الموسمية للنهر، ويسمح للسودان بتوسيع قطاعه الزراعي.
وقال د. سلمان م. سلمان، محرر مجلة قانون المياه الدولية: "يبدو أن السودان سيجني فائدة كبيرة للغاية. لقد حدثت فيضانات وسيول كثيرة هذا العام، إلا أنها ستتوقف بعد أن يتم تنظيم تدفق المياه في المجرى.
وبدلا من تمتع البلاد بدورة محصول واحد طوال الموسم الزراعي، سيكون بإمكانها التمتع بدورة ذات محصولين أو أكثر".
العمل في السد بلغ الآن مرحلة متقدمة - تقول إثيوبيا إنه تم بناء ما نسبته 62 في المائة منه. ومن المقرر أن يبدأ الإثيوبيون باختبار أول توربينين من هذا السد العام المقبل، عقب تحديد الانتهاء من تخطيط أعمال الإنشاءات بحلول نهاية عام 2018.
لا يزال يتعين على البلدان الثلاثة المتنازعة التغلب على مسألة انعدام الثقة فيما بينها، والتوصل لاتفاق حول الآليات المناسبة لاحتواء تأثير ذلك في بلدان حوض النيل الأزرق، خلال فترة التعبئة وحين يتم تشغيل السد فعليا.
مصدر التخوف المباشر من مصر هو الزمن الذي ستحتاج إليه إثيوبيا لملء الخزان.
قال كيفن ويلر، من هيئة استشارات توازن الماء: "إن حاولوا ملء الخزان في أسرع وقت ممكن، يمكنهم إكمال ذلك في غضون ثلاث سنوات، في ظل ظروف هيدرولوجية معتدلة. على أنني لا أعتقد أنه يمكنهم فعل ذلك. أعتقد أنه إن كانت مصر مستعدة لإظهار رغبة في التوصل إلى حل وسط، ستكون إثيوبيا مستعدة لإظهار الرغبة، بدورها، في حل وسط".
كما يحذر من أن البلدان بحاجة إلى البدء في التعاون فيما بينها في القريب العاجل، لأن تأسيس أنظمة قائمة على تشارك المعلومات وتطوير البروتوكولات، سيحتاج إلى وقت.
في الحالة المثالية، سوف يجري التعاون لتنسيق عملية تشغيل السدود والخزانات المبنية على نهر النيل بين الدول الثلاث.
على سبيل المثال، التوصل إلى ما يضمن بقاء منسوب المياه في بحيرة ناصر خلف السد العالي في أسوان، عند المستوى اللازم لتشغيل التوربينات بهدف توليد الكهرباء لمصر.
قال ويلر: "إن من شأن عدم التوصل إلى اتفاق حتى آخر لحظة، إضعاف أسس التخطيط المشترك ما بين البلدان الثلاث، وبالتالي سيصبح كذلك من الأصعب تنفيذ ما يخدم صالح الأطراف الثلاثة على أرض الواقع".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES