منوعات

التظاهرات تجتاح شوارع إيران لليوم الثالث .. الفشل الاقتصادي يهز نظام الملالي

إيران التي تبجح قادتها بأن جيشهم يوجد الآن في أربع دول عربية، وعملاءهم يحتلون ناصية القرار السيادي في تلك الدول، استفاقت على ثورة جياع داخلية بسبب الأوضاع الاقتصادية والفساد المستشري في مؤسسات الدولة وأركانها كافة.
"اهتفوا.. الموت لخامنئي".. بتلك الكلمات البسيطة لسيدة إيرانية، أطلقتها في مواجهة قوات الأمن، ليردد المتظاهرون صداها في شوارع طهران لليوم الثالث على التوالي، حيث باتت المرأة مجهولة الاسم حتى الآن، أيقونة لثورة شعبية، أعادت الأمور إلى حقيقة السياسة الرعناء التي يتبناها نظام الملالي الإيراني وهي التوسع والتمدد واحتلال أراضي الآخرين والتدخل في شؤونهم والسيطرة على مقدراتهم.
ومع هذا كله استفاق الإيرانيون على خداع مارسه النظام الإيراني منذ سنوات، حيث لم يقدم له ما يحتاجه من خبز وغذاء بأسعار مقبولة، كما لم يفلح في توفير وظائف كريمة للشعب، وترك أبناء فقراء إيران وفلاحيها يقتلون بعيدا عن الوطن، دفاعا عن اسم الولي الفقيه.
وبغض النظر عن مصير الثورة الشعبية والتظاهرات التي اجتاحت المدن الإيرانية، والقمع الذي يواجه حشود الغضب التي تسير في ميادين وشوارع مشهد وأصفهان وطهران وقم، إذ إن الأمر المؤكد أن قناع الولي الفقيه سقط من أعين الملايين من أبناء إيران.
ومهما استخدم نظام الملالي من قبضة حديدية لقمع غضب شعبه، أو معسول الكلام لتهدئة الانفعالات بدعوى أن الوطن في حاجة لوحدة الجميع. فالواقع يشير إلى أن النظام يدخل عامه الـ40، مرهقا مشوها مجزأ ومعزولا في الداخل والخارج، عزلة لن تنفع معها ادعاءاته بانتصاره على أعداء إيران.
ولم يستطع أكثر حلفاء النظام وداعميه إنكار الحقيقة، فقناة الجزيرة الناطق باسم التحالف القطري - الإيراني، دفعها حجم المظاهرات ونطاقها إلى عنونة الأخبار "اتساع الاحتجاجات في إيران".
وفي عالم يصعب إن لم يستحل فيه إخفاء الوقائع ومجريات الأحداث، كان المشهد الاقتصادي الإيراني فاضحا، وإخفاق السياسات الاقتصادية للحكومة الإيرانية مروعا. فالمظاهرات التي انطلقت من مدينة مشهد، ثاني أكبر المدن الإيرانية، تنديدا بارتفاع أسعار المحروقات وبعض السلع الغذائية وزيادة الضرائب، سريعا ما انتشرت انتشار النار في الهشيم في المدن الإيرانية الأخرى، ومن بينها العاصمة طهران، في مظاهرات أكبر من تلك التي خرجت عام 2009 ضد تزوير الانتخابات، وإعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد لدورة رئاسية ثانية.
الدكتور فريهاد على شيرازي الخبير الاقتصادي، أحد الأصوات التي سبق أن حذرت من تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، نتيجة هيمنة حفنة محدودة من الأشخاص والمؤسسات على المقدرات الاقتصادية للشعب بكامله، وغياب الشفافية وعدم المحاسبة الذي أسهم في تفشي الفساد واتساع نطاقه إلى مستويات غير مسبوقة، قال "بوادر الثورة التي تشهدها إيران الآن ، تعكس غضب الطبقة المتوسطة من تدهور مستوى معيشتها، وتكشف عن وعي سياسي رفيع المستوى بأن تزايد النفقات الإيرانية في الخارج لتمويل أنشطتها العسكرية في العالم العربي، لم تعد على الشعب الإيراني إلا بتدهور في مستوى المعيشة".
وأضاف لـ"الاقتصادية" "معدلات البطالة مرتفعة للغاية والتقديرات الرسمية - وهي مشكوك في صحتها ودقتها - تشير إلى 10 في المائة خلال السنوات العشر الماضية، إلا أن بعض الاقتصاديين المحايدين يصلون بمعدلات البطالة في إيران إلى 15 في المائة".
وذكر أن الأكثر خطورة يتمثل في أن البطالة تتركز بين الشباب من الجنسين، الذين يمثلون نحو 70 في المائة من عدد سكان إيران البالغ 80 مليون نسمة تقريبا، كما أن كل البرامج الحكومية لمحاولة إنعاش الاقتصاد الإيراني باءت بالفشل، فالاقتصاد يعاني الركود، والناتج المحلي الإجمالي يتوقع أن يتراجع، ومعدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي سلبي أو منخفض للغاية، وهذا بالطبع يجعل معدلات البطالة مرتفعة.
وقال "ومن ثم زيادة أسعار مجموعة من السلع الرئيسة في مثل هذا التوقيت، يكشف عن الفجوة العميقة بين القيادة السياسية والمرشد علي خامنئي من جانب والطبقة المتوسطة التي تعاني الأمرين من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة".
وإذ يعتقد البعض أن المظاهرات التي تشهدها المدن الإيرانية تعكس حجم الصراع الدائر بين المؤسسات الإيرانية المختلفة، وتحديدا بين الحرس الثوري والمحافظين من جانب والرئيس حسن روحاني من جانب آخر، حيث إن الميزانية الإيرانية لعام 2018 التي تضمنت زيادة في بعض الضرائب، كانت كفيلة بتفجير الوضع، في ظل معدلات الفقر في إيران، التي تشير البيانات الرسمية إلى أن 35 في المائة من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر، بينما تؤكد المعارضة أن تلك النسبة خادعة، إذ إن ما لا يقل عن 43 في المائة من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر.
مع هذا يرى الدكتور أرون سان أستاذ النظم السياسية، أن الثورة الإيرانية الراهنة مزيج من الإخفاق الاقتصادي المؤلم والإحباط السياسي العنيف.
وقال لـ"الاقتصادية"، إن ما يحدث في إيران يفصح عن فشل تام للنموذج الإيراني اقتصاديا وسياسيا، حيث إن الادعاءات الإيرانية التي تم الترويج لها لقرابة ثلاثة عقود بأن الاقتصاد يعتمد على الذات، وأنه قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي، ورفع مستوى معيشة شعبه، رغم تواصل هيمنته وتوسعه الخارجي، ذهبت الآن أدراج الرياح.
وأكد أن الثورة الشعبية الراهنة تعلن بشكل صريح فشل النموذج التنموي الإيراني، وفي الحقيقة فإنها تكشف أن مقدرات الشعب الإيراني صبت جميعها في خدمة المؤسسة العسكرية، لإنتاج أوهام قومية ومذهبية، لم تعد على الشعب بأي نتيجة إيجابية، وهو ما يشاهده الجميع الآن في تآكل المستوى الاقتصادي المتدني بالأساس للطبقة المتوسطة الإيرانية.
وأضاف "الأخطر أن الغضب الشعبي كشف عن تبلور وعي سياسي بين الأجيال الشابة الإيرانية، إذ أشار المتظاهرون بشكل واضح وصريح خلال التظاهرات إلى المسؤول الأول عن الأزمة، مطالبين علي خامنئي مرشد إيران بالتنحي، وهذا بالطبع ينفي جميع ادعاءات المسؤولين في النظام الإيراني بأن المظاهرات فئوية، وإنما هي مظاهرات سياسية بامتياز تحمل البذور الأولية لتغير نظام الحكم في إيران".
وأشار أغلب الخبراء إلى أن التظاهرات وما حملته من شعارات ضد أتباع المرشد الذين يهيمنون على جميع مفاصل الحياة الإيرانية، تمثل خطرا داهما على المشاريع التوسعية للحرس الثوري الإيراني، إذ رفع المتظاهرون شعارات من قبيل "اتركوا سورية.. فكروا فينا"، ونددت أخرى بتزويد إيران لميليشيات الحوثي في اليمن بالعتاد والمال، وكذلك لحزب الله اللبناني والمنظمات التي تكرس الانقسام الفلسطيني في غزة كحركتي الجهاد الإسلامي وحماس.
وقال لـ"الاقتصادية"، نادر مرتضى الباحث في الشؤون الإيرانية "البرنامج التوسعي للحرس الثوري الإيراني في العراق وسورية واليمن ولبنان، كان مكلفا للغاية، وتضمن هدرا ضخما للموارد الإيرانية، ونظرا لأن هذا المشروع التوسعي عسكري بالأساس، وترويج الحرس الثوري أنه يمس مباشرة الأمن القومي الإيراني، فإن الجانب المالي الخاص بتمويله اتصف دائما بسرية مفرطة، فلا أحد يعلم قيمة المساندة المالية التي تقدم لقادة حزب الله، والحوثي ليواصلوا الولاء لإيران، ولا أحد يعلم قيمة المبالغ المالية التي تنفقها إيران لتأمين نصر الله والحوثي، أو التي ترصد لضمان استمرار الحشد الشعبي في العراق قوة عسكرية موازية للجيش العراقي، أو المليارات التي ضخت في شكل مساعدات مالية لنظام بشار الأسد".
وأضاف "تلك السرية أدت إلى تفشي الفساد بشكل كبير للغاية بين قيادات الحرس الثوري، التي حققت ثروات ضخمة نتيجة عدم المحاسبة، وقبول المرشد الأعلى بهذا الوضع لضمان نجاح المشروع المذهبي، بينما تعجز الحكومة عن مواجهة قيادة الحرس الثوري والفساد المستشري في الداخل".
ولفت إلى أن جراء هذا زاد الشعور الشعبي المتنامي بأن القيادة السياسية والدينية والعسكرية تشكل تحالفا للثراء على حساب مجمل الشعب وتحديدا الطبقة المتوسطة، ولذلك فالانفجار الشعبي الأخير والشعارات التي رفعت فيه لم تكن فقط نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتراجع مستوى المعيشة، وإنما احتجاج واضح على البرنامج التوسعي الإيراني، الذي أدى إلى تفاقم عدم المساواة بين الطبقات المختلفة، ونجم عنه عزلة إيران إقليميا ودوليا، وهذا يتنافى مع قيم الطبقة المتوسطة بصفة عامة، التي ترغب في مزيد من الانفتاح على العالم الخارجي، لتطوير قدرات أبنائها لمواكبة مستلزمات العصر.
وحول تأثير تلك المظاهرات في مستقبل إيران الاقتصادي، فإن الدكتورة إيلين وايت أستاذة الاقتصاد الدولي تعتقد أن المظاهرات الراهنة وسواء اتسع نطاقها أو تراجعت، ستترك بصمات سلبية على مستقبل الاقتصاد الإيراني.
وقالت لـ"الاقتصادية"، إن "المظاهرات في حد ذاتها وامتدادها لعدد من المدن الإيرانية الرئيسة، وتنظيم النظام مظاهرات مضادة من قبل أنصاره لإظهار تماسكه، تكشف أن الوضع الداخلي الإيراني غير مستقر، وهذا في حد ذاته عامل يدفع الرأسمالية الإيرانية التقليدية عن العدول عن أي مخططات استثمارية كانت تنوي القيام بها في المرحلة المقبلة، وبالتالي سنشهد ارتفاع معدلات البطالة في الأشهر المقبلة، ولن يكون أمام الحكومة إلا رفع نسبة التشغيل في المؤسسات الحكومية، وهو ما سيؤدي إلى زيادة معدلات البطالة المقنعة المرتفعة بالأساس في الدوائر الحكومية والمصالح الرسمية، بما يعنيه ارتفاعها من انخفاض في الإنتاجية، وزيادة في نسبة الأجور والرواتب في الميزانية العامة، وبالتالي زيادة عجز الميزانية، ومزيد من التدهور الاقتصادي، وزيادة الاحتقان الشعبي على النظام".
وتابعت "الجانب الآخر وهو الرسالة التي تبعثها تلك التظاهرات للمستثمرين الدوليين، أولا نلاحظ أن تلك المظاهرات هي الثانية من نوعها بهذا الحجم والضخامة خلال 9 سنوات، وبالطبع يكشف ذلك عن اتساع الخلل داخل النظام السياسي الإيراني، كما أنه لا يعبر عن حقيقة تطلعات وأماني شعبه، وأن عملية التوسع الخارجي والتدخل والهيمنة على شؤون البلدان العربية الضعيفة، لا يعكس قوة للنظام، بقدر ما يعكس حالة من الخواء الداخلي، يعمل على تغطيتها عبر إظهار تفوق عسكري غير حقيقي".
وذكرت أن مع هذا الوضع لا يمكن توقع إقبال رؤوس الأموال الأجنبية على الاستثمار في إيران، ما يسفر ذلك عن افتقاد النظام الاقتصادي أي تدفقات مالية دولية يمكن أن تخفف من عثرته الراهنة، كما أنه لن يفلح في اجتذاب أنماط تقنية وتكنولوجية حديثة تساعده على تطوير بنيته الاقتصادية والقدرات الإنتاجية.
وتوقعت حدوث انتكاسة في قدرة إيران في مجالات الإنتاج غير البترولية، كما سيظل الاقتصاد الإيراني يدور في دائرة النفط والاعتماد على عوائد النفط والغاز، وبعض الصناعات التقليدية التي لا تحتاج إلى تقنيات تكنولوجية حديثة، وهذا الوضع سيفاقم أزمة إيران الاقتصادية على المديين المتوسط والطويل.
ولفتت إلى أنه غالبا ما ستشهد العملة الإيرانية مزيدا من التراجع في قيمتها الحقيقية، وذلك على الرغم من أن الحكومة ستسعى إلى تفادي ذلك بالضخ من الاحتياطي النقدي لإظهار النظام الاقتصادي بأنه قادر على الأداء، ولامتصاص الغضب الشعبي من تردي مستويات المعيشة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من منوعات