بداية جديدة للتمويل العالمي «2 من 2»

|

قد كان التراجع استجابة رشيدة ـــ في منطقة اليورو وخارجها ـــ إلى إعادة تقييم مخاطر المعاملات عبر الحدود. وبعد التروي، اتضح لكثير من المصارف أن الهوامش والإيرادات على الأعمال الأجنبية أقل من مثيلتها في الأسواق المحلية، التي يكون فيها لدى المصارف حجم أعمال كبير ودراية بالأوضاع المحلية ـــ أو على الأقل أن الأعمال الأجنبية لا تستحق المخاطر الإضافية. وأصبحت المصارف الآن تحت ضغط مستمر من الهيئات التنظيمية وحاملي الأسهم والدائنين لتكون أكثر تحفظا. وأدت الشروط الدولية الجديدة بشأن رأس المال والسيولة إلى زيادة تكاليف حيازة جميع الأصول، وتضيف الرسوم الجديدة المفروضة على المصارف المؤثرة في النظام المالي أثرا سلبيا على زيادة حجم وتعقيد مختلف خطوط الأعمال، بما في ذلك العمليات الأجنبية، وقلصت المصارف بعناية عملياتها الأجنبية استجابة لذلك. وأعطت بعض برامج المصارف المركزية التي وضعت بعد الأزمة لاستعادة الاستقرار المالي، مثل خطة التمويل من أجل الإقراض لبنك إنجلترا المركزي أو عمليات إعادة التمويل الموجه على المدى الطويل للبنك المركزي الأوروبي، للمصارف الحافز لإقراض المقترضين المحليين بدلا من الأجانب. وقد باعت المصارف العالمية الكبرى بعض أعمالها الأجنبية أو خرجت تماما من بعض الأسواق الأجنبية أو مجرد سمحت بانتهاء القروض التي حان أجل استحقاقها. ووفقا لشركة Dealogic، وهي إحدى الشركات المتخصصة في توفير البيانات والتحليلات المالية، باعت المصارف أصولا تزيد قيمتها على تريليوني دولار منذ الأزمة. ونتيجة لذلك، تحولت الميزانيات العمومية لمعظم المصارف الأوروبية بشكل كبير نحو الأصول المحلية. وكان ثلثا إجمالي أصول أكبر ثلاثة مصارف ألمانية ــــ المصرف الألماني، وبنك كومرتس وبنك KfW(Deutsche Bank، Commerzbank، and KfW ــــ محتفظا به في أسواق أجنبية عشية الأزمة؛ واليوم تقلصت هذه النسبة إلى الثلث. وخفضت مصارف هولندا وفرنسا وسويسرا والمملكة المتحدة بالمثل أعمالها الأجنبية. وكان حجم عمليات المصارف الأمريكية على الصعيد الدولي أقل من نظيراتها الأوروبية، نظرا لحجم السوق المحلية الضخم، ومع ذلك خفضت بعض المصارف حجم أعمالها. فقد كان لمجموعة سيتي جروب عمليات مصرفية مرتبطة بسوق التجزئة في 50 بلدا في عام 2007، وأصبح هذا الرقم 19 الآن. وفي حين انسحبت المصارف الأوروبية والأمريكية إلى أسواقها المحلية، فقد توسعت المصارف في المناطق الأخرى خارجيا، على الرغم من أنه ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان هذا التوسع سيكون مربحا أو قابلا للاستمرار. وتحتفظ المصارف الكندية الأربعة الكبيرة بنصف أصولها الآن خارج كندا، خاصة في الولايات المتحدة؛ وتوسعت المصارف اليابانية خارجيا أيضا. كما أن ما يطلق عليها المصارف الصينية الأربعة الكبيرة وسعت بسرعة إقراضها الخارجي، ويرجع ذلك في المقام الأول لتمويل مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر في الخارج التابعة للشركات الصينية. مزيد من الاستقرار في المستقبل علينا ألا نحزن من إعادة مواءمة الخدمات المصرفية عبر الحدود. فالذروة الهشة التي بلغتها التدفقات الرأسمالية العالمية في السنوات التي سبقت الأزمة ليست قاعدة معيارية مناسبة يمكن استخدامها للحكم على حالة العولمة المالية. ولا يوجد توافق في الآراء على المستوى الأمثل للتدفقات الرأسمالية، ولكن هناك اليوم أدلة قليلة على نقص التدفقات الرأسمالية المتجهة إلى الاقتصادات النامية أو المتقدمة. وبدلا من الإشارة إلى نهاية العولمة المالية، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى ظهور نسخة أكثر استقرارا وقدرة على الصمود. ولا تزال الأسواق المالية حول العالم مترابطة للغاية. وعلى الرغم من أن التدفقات السنوية من رأس المال الجديد تراجعت تراجعا كبيرا، فقد استمر نمو رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي وحوافظ حصص الملكية وحوافظ السندات منذ الأزمة، وإن كان بشكل أبطأ بكثير من السنوات التي سبقت الأزمة. وعلى الصعيد العالمي، يتملك المستثمرون الأجانب 27 في المائة من حصص الملكية حول العالم مقارنة بنسبة 17 في المائة في عام 2000. وفي أسواق السندات العالمية، كان المستثمرون الأجانب يمتلكون 31 في المائة من السندات في عام 2016 مقارنة بـ 18 في المائة في عام 2000. ويعد عنصر الإقراض والاستثمارات الأخرى هو العنصر الوحيد من أرصدة الأصول والخصوم الاستثمارية الأجنبية الذي انخفض منذ الأزمة.

إنشرها