FINANCIAL TIMES

نشاط الغواصات الروسية يسخن مياه الحرب الباردة

يصل نشاط الغواصات الروسية إلى أعلى مستوى له منذ الحرب الباردة، بحسب ما حذر كبار المسؤولين في حلف شمال الأطلنطي "النيتو"، في أحدث مؤشر على مخاوف الحلف إزاء سياسة الإصرار العسكري من قبل روسيا، في ظل حكم الرئيس فلاديمير بوتين.
عززت روسيا من أسطولها الموجود في أعماق البحار، وعملت على توسيع نطاق عملياتها بالذات في منطقة شرقي البحر الأبيض المتوسط، وحول شبكات الاتصال الحيوية عبر الأطلنطي، بحسب ما قال الأدميرال أندرو لينون، قائد القوات البحرية للحلف.
وجاءت تعليقاته كعلامة على الشكوك العالقة بين الحلف وموسكو منذ أن احتلت روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014.
وقد رد الحلف على ذلك الاحتلال من خلال تعزيز قواته في دول البلطيق، بل في بولندا، وهو التطور العسكري الذي دفع موسكو إلى اتهام التحالف الذي الذي يتخذ من بروكسل مقرا لها، بمحاولة تطويق وتهديد روسيا، بما في ذلك نشر مرافق لدروع الدفاع الصاروخي.
قال الأدميرال لينون إن زيادة العمليات التي تجريها الغواصات سلطت الضوء على "الاستثمار القوي" الأوسع نطاقا لروسيا، لإحياء القدرات البحرية التي تراجعت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
وأضاف: "أصبح نشاط الغواصات الروسية أعلى الآن خلال السنوات الثلاث الأخيرة مما كان عليه منذ الحرب الباردة. ما رصدناه على مدى السنوات الثلاث الأخيرة هو المزيد من عمليات انتشار سنوية للغواصات الروسية بعيدا عن المياه المحلية، أكثر مما شهدناه في العقد الماضي".
كما قال إن النيتو شهد "الكثير من النشاط" لست غواصات روسية جديدة من فئة كيلو تعمل بمحرك الديزل والمحرك الكهربائي في البحرين الأسود والمتوسط، حيث طورت موسكو لها موطئ قدم استراتيجي مهم في القاعدة البحرية في طرطوس على الساحل السوري. وأضاف أن "من الواضح" أيضا أن روسيا "مهتمة بتخريب البنية التحتية الواقعة تحت البحر للبلدان الأعضاء في الحلف"، ولا سيما روابط البيانات وخطوط الاتصالات ما بين الولايات المتحدة وأوروبا.
قال الأدميرال لينون إن العمليات الروسية التي تجري تحت الماء بالقرب من مسارات الكوابل، شملت سفينة بحرية كانت في الأصل غواصة قادرة على إطلاق صواريخ باليستية، وصفها بأنها "السفينة الأم"، التي يمكن أن تستخدم لإطلاق غواصات إضافية أصغر حجما، لغايات البحوث.
كما أضاف: "نعتقد أنها قد تكون مجهزة للتعامل مع الأشياء الموجودة في قاع المحيط"، على الرغم من أنه لم يزعم حدوث أي تدخل من هذا القبيل. "لذلك من الواضح أن ذلك مصدر قلق، لأن البلدان في الحلف تعتمد كثيرا جدا على الإنترنت والاتصالات".
يقول الخبراء الاستراتيجيون في الحلف إن المناورات التي تجري تحت سطح البحر يمكن أن تكون عمليات "غير متناظرة" فاعلة، لأنها تعمل على ربط غواصات الحلف، والسفن الموجودة على السطح وطائرات الاستكشاف المستخدمة لتعقبها.
ويضيف لينون أن الرصد الذي يجري تحت الماء أصبح أكثر صعوبة أيضا لأن الغواصات الحديثة أكثر هدوءا، والمحيط أكثر ضجيجا بسبب زيادة الشحن التجاري البحري.
إلا أن ألكسندر جروشكو، سفير روسيا لدى حلف النيتو، رد في الأسبوع الماضي بتوجيه الاتهام إلى الحلف، بالتسبب في إرغام روسيا كرها "على نوع من أنواع التنافس العسكري في وسط أوروبا"، في تذكير بتعزيز الوجود العسكري للحلف في كل من بولندا ودول البلطيق الثلاث، التي كانت حتى قبل نهاية الحرب الباردة، جزء من الاتحاد السوفياتي، منذ ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وبالطبع، زاد الوجود الروسي في أماكن أخرى غير وسط أوروبا، تشمل أعالي البحار والمحيطات.
قال جروشكو في مقابلة إذاعية: "هذا ليس خيارنا، نحن نرى مستقبل الأمن في أوروبا بطريقة مختلفة. نحن مقتنعون أن الأمن الحقيقي يمكن تعزيزه من خلال الجهود الجماعية".
تعتزم البلدان الأعضاء في حلف النيتو، بما فيها المملكة المتحدة والنرويج وكندا، تعزيز قدراتها في تعقب الغواصات الروسية، من خلال شراء معدات تشمل طائرات الدوريات البحرية، والمروحيات والفرقاطات.
كما يعتزم التحالف المكون من 29 بلدا تأسيس قيادة جديدة في شمال الأطلسي لردع نشاط الغواصات، وضمان مرور معزز الفعالية وأكثر ضمانا لقوافل التعزيزات العسكرية المتجهة من أمريكا الشمالية إلى أوروبا وبالعكس.
التركيز على الغواصات هو دلالة على جهود منسقة ومستمرة أوسع نطاقا، تجاهد الدول الأعضاء في حلف النيتو في بذلها لإشهار مزاعم العدوان الروسي الذي يستهدف الدول الغربية - بدء من حملات التضليل الإعلامي وهجمات القرصنة الإلكترونية كما يشاع في الانتخابات الأمريكية وغيرها في فرنسا وألمانيا، وصولا إلى نشاطات الطائرات النفاثة الروسية في اختراق المجال الجوي للدول الأعضاء في النيتو.
المارشال السير ستيوارت بيتش، قائد العمليات الجوية ورئيس هيئة أركان الدفاع في المملكة المتحدة، ورئيس اللجنة العسكرية التابعة لحلف الناتو منذ نيسان (أبريل) الماضي، ادعى في الأسبوع الماضي أن روسيا تشكل تهديدا متزايدا على البنى التحتية الموجودة تحت سطح البحر، والخاصة بشبكة الإنترنت والاتصالات.
يقول المحللون إن أحد الأسباب التي تدعو إلى تشديد لهجة الخطاب هي رغبة قادة الدفاع في الغرب، تقديم حجة داعمة للحصول على المزيد من الإنفاق العسكري - والفوز بالدعم الشعبي.
مالكولم تشالمرز، المحلل لدى معهد الخدمات المتحدة الملكي (مؤسسة فكرية)، يرى أن قادة الدفاع في حلف النيتو يضطلعون أيضا "بمهمة" تتمثل في جعل القادة السياسيين يدركون التصاعد الحاصل في النشاط الروسي.
وأضاف: "ارتفعت ميزانية الدفاع الروسية بشكل لا يستهان به منذ عام 2008، وكجزء من ذلك أنفقوا الكثير من الأموال على زيادة التدريبات العسكرية ... ببساطة هم يولون هذا المجال الكثير من الاهتمام، وهذا يعني أنه يتعين على الدول الأعضاء في حلف النيتو تعقب هذه الأنشطة".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES