بين براثن الكذب والزيف

|
كثر الحديث عن الأخبار والمعلومات التي تردنا اليوم بسرعة البرق وبكميات مهولة. بين أيدينا كم هائل لا حد له من المعلومات ولا يحتاج الوصول إليها إلا إلى نقر زر أو تطبيق أو كتابة عنوان إلكتروني. يرى كثيرون في هذا نعمة نزلت علينا، ويرى آخرون أنها نقمة أفقدتنا صوابنا. وبين هذا وذاك يستمر طوفان المعلومات بالهطول وقد يغرقنا جميعا. والأخطر من هذا فإن الطوفان اعتباطي، أي بإمكان أي واحد منا أن يسهم في جريانه. ولكن مهما بلغ حجم الطوفان، فإن الثورة الرقمية بخوارزمياتها تستقبله بالأحضان، حيث تقوم بخزنه وتكديسه وأرشفته ومن ثم جعله متاحا لنا وبيسر من خلال ماكينات بحث تمكننا من الحصول على المعلومة التي نبتغيها في ثوان معدودات. وأوصلتنا الخوارزميات إلى درجة أن طاقات الخزن الرقمية صارت من السعة بمكان، حيث بإمكان التعامل مع أضعاف ما هو متوافر من المعلومات حاليا، الذي في الأساس يبلغ حجمه مدى لا يمكن تصوره. والطوفان هذا فيه الغث والسمين، ولكن دون شك الغث يشكل نسبة كبيرة منه. بمعنى آخر إن المعلومة تفتقر إلى التوثيق والمصداقية ولا تعدو أهميتها أهمية الأحاديث العابرة بين الناس. وهذا لا ضير فيه. كلنا تقريبا نحب الأحاديث العابرة التي لا نكترث فيها كثيرا إن تخللها بعض الكذب البريء. ما يثير الخوف والهلع هو تقديم معلومة أو خبر وكأنه صادق وموثق ونزيه ولكنه غير ذلك. بمعنى آخر، الخبر يبدو وكأنه أصيل ولكن إن تفحصته بدقة وطبقت عليه معايير محددة لرأيته زائفا. وفرز الزيف من الأصالة في التعامل ضمن الكم المهول من المعلومات والأخبار أصبح مسألة شائكة وعويصة وصعبة لا يتقنها إلا المهرة والمختصون. والوضع يشبه كثيرا فرز المزيف من العملة من الأصيل، حيث ليس بإمكاننا- نحن الناس العاديين- معرفة المعايير التي تجعل ورقة نقدية مزيفة وأخرى أصيلة. نحتاج في الغالب إلى خبرة مصرفي أو جهاز إلكتروني أو غيره لفرز العملات المزيفة. وهذا ينطبق على الأخبار والمعلومات المزيفة التي صارت متوافرة على الشبكات العنكبوتية شأنها شأن المعلومات الموثقة والأصيلة والنزيهة. إذا نحن لسنا بالضرورة أمام سيل من المعلومات الكاذبة، بل أمام طوفان من المعلومات والأخبار المزيفة التي صارت تفوق حجما وكثافة وتأثيرا حجم المعلومات والأخبار الموثقة والصادقة. لنتصور لوهلة ماذا سيكون وضع بلد وماذا ستكون مكانة اقتصاده إن صارت العملة المزيفة هي السائدة وتراجع أو اضمحل دور العملة الأصيلة فيه؟ أخشى أننا قاب قوسين أو أدنى من وضع سلمنا فيه قيادة دفة الإعلام إلى مروجي المعلومات والأخبار المزيفة التي أخذت تأتينا من كل حدب وصوب بواسطة شبكات التواصل التي صار لها قصب السبق في استقبال ونقل وخزن وتوزيع المعلومات. وصارت شبكات التواصل العملاقة الوسيلة التي تساعد على ترويج المعلومة بغثها وسمينها. وهناك شبكات مثل "فيسبوك" و"يوتيوب" وغيرها تدفع مبالغ لا بأس بها لأي معلومة أو خبر يتجاوز عدد متلقيه حدا معينا. وهناك اليوم أناس كثيرون يعتاشون على ما يتقاضونه من أجور لقاء نسبة محددة من إيراد الإعلانات التي تجنيها هذه الشبكات جراء نشر المعلومة استنادا إلى عدد القراء والمشاهدين (عدد النقرات). وقد تصل المبالغ الشهرية التي يحصل عليها مروجو المعلومات بغض النظر عن صدقيتها أو عدمها أحيانا عشرات الآلاف من الدولارات في الشهر. ولنا أن نتصور كم يكون دخل شبكة التواصل في وضع تصل فيه نسبة ضئيلة من دخل الإعلان لمستخدم واحد إلى عشرات الآلاف من الدولارات. هناك ربح وفائدة وجائزة لترويج المعلومات المزيفة لأن تقاطر الناس عليها يزيد من مكانة ودخل مروجيها وربح الشبكات التي تخزنها وتحملها وتنشرها. وتقول شبكات التواصل مثل "فيسبوك" إنها تحاول جهدها إيقاف نشر الأخبار المزيفة. ولكن علينا أن نتذكر أنه ليس في مصلحة شركات الإنترنت العملاقة التي تعنى بالتواصل ولا في مصلحة الحكومات وأصحاب السلطة إيجاد مناخ وفضاء عام لا يسمح بنشر المعلومات لغرض الكسب السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. لماذا؟ لنحاول الإجابة عن هذا السؤال المهم في الأسبوع المقبل.
إنشرها