بطلان دعاوى الحمائية والرد السعودي عليها

|
دعاوى الحمائية التجارية والتراجع عن العولمة وتفكيك التكتلات الاقتصادية أصبحت مهددا حقيقيا لنمو الاقتصاد العالمي. فاستمرار فقدان الوظائف في الدول الصناعية المتقدمة لمصلحة دول ذات عمالة منخفضة التكاليف على رأسها الصين هو العامل الأكثر استحواذا على هواجس المواطنين، متناسين الفوائد التي يجنيها الاقتصاد ككل من العولمة التي تتبنى مبادئ اقتصادية لا غبار عليها بتعزيز الميزات النسبية لكل اقتصاد. على مدى العقود الثلاثة الماضية من عمر العولمة، تبين الدراسات تقدم الدول التي تبنت سياسات منفتحة على الأخرى التي عملت على تعزيز الحمائية. وكذلك فإن الشركات التي عملت على تعزيز وجودها العالمي سواء على صعيد سلاسل الإمداد والتصنيع أو مجرد دخولها لأسواق جديدة تمكنت من تحقيق أداء يفوق تلك الأنشطة التجارية التي ركزت على المحلية. على المستوى الدولي، لا يمكن إغفال التحسن الملحوظ في كفاءة الإنتاج وانخفاض تكلفة الإنتاج الناتج عن توزيع أفضل للأدوار، الأمر الذي لم يكن ليتحقق لولا انخفاض تكاليف النقل وتحسن تقنيات الاتصالات بشكل أتاح مزيدا من التجارة البينية. لذلك يمكن استنتاج أن مزيدا من التجارة البينية يعني بالضرورة تحفيز النمو الذي بدوره سيعمل على إيجاد الوظائف، ليس لمجرد تخفيض تكلفة الإنتاج، إنما لتركيز كل اقتصاد على ما يبدع فيه. فعلى سبيل المثال، تحتفظ شركة أبل بمعامل التصميم والهندسة في الولايات المتحدة، بينما توكل مهمة التصنيع إلى الصين، وبذلك نحصل على هواتف ذكية وتقنيات متفوقة. فإن كانت كل هذه الفوائد نتيجة للعولمة، فأين تكمن المشكلة؟ بسبب الطبيعة البشرية، فإن المواطن البسيط سيغفل الانخفاض البسيط في أسعار السلع وأثر ذلك في معيشته، ولكن في الوقت نفسه، فإنه سيضخم من أثر فقدان وظيفة واحدة في الاقتصاد. مشكلة فقدان الوظائف تعود في الأساس إلى التقدم التقني السريع، الذي يعمل أيضا على فصل فئات من المجتمع عن واقع سوق العمل. وبدلا من أن تصب هذه الفئة غضبها على التقدم التقني الذي خدمها، فمن الأسهل أن تغضب من الأجنبي الذي تعتقد أنه سرق وظيفتها. حل هذه المعضلة يكمن في زيادة الاستثمار في رأس المال البشري لتحقيق تأهيله لسوق عمل جديد، يأخذ في الاعتبار الميزات النسبية للاقتصاد المحلي. وكذلك بالاستثمار في البنية التحتية بما يتيح للاقتصاد تطوير واستيعاب ميزات نسبية جديدة تمكنه من التنافس على المستوى العالمي. هذا ما تعمل عليه السعودية في مبادرات مختلفة لدعم المحتوى المحلي وكذلك مدينة نيوم. إلا أن ذلك لا يعني أن نستمر في اعتماد نموذج عمل غير كفء يعتمد على توظيف العمالة الرخيصة، فهذه العمالة ليست ميزة نسبية محلية صرفة، وإنما هي مستوردة. محاربة وانتقاد العولمة عمل سهل، ولكن السعي لمزيد من الاندماج مع التميز والتفرد هو الصعب الذي نسعى لتحقيقه.
إنشرها