FINANCIAL TIMES

5 دروس مستخلصة من متاهة الانتخابات الكتالونية

انتخبت كتالونيا برلمانا جديدا يوم الخميس قبل الماضي، في أحدث اختبار للقوة بين حركة الاستقلال القوية في المنطقة، والأحزاب السياسية التي تدعم الاتحاد مع إسبانيا.
بلغ الإقبال على الانتخاب مستوى قياسياً غير مسبوق في التاريخ، مع اقتراع أكثر من 82 في المائة من سكان الإقليم، وكانت النتيجة ضمان الأحزاب المؤيدة للاستقلال الحصول على أغلبية أخرى مطلقة في البرلمان.
كان الفائز الآخر في تلك الليلة من حيث المقاعد المنفردة هو الحزب المناهض للاستقلال حزب المواطنين، الذي ظهر كأكبر حزب في البرلمان.
إليكم الآن خمسة دروس سريعة يمكن تعلمها من ليلة الانتخابات الكتالونية:
1. فازت الحركة المؤيدة للاستقلال. الآن، ننتقل إلى الجزء الصعب.
في المصطلحات البرلمانية، خرجت الأحزاب الثلاثة التي تدعم وجود دولة كتالونية مستقلة منتصرة مرة أخرى. بيد أنها تواجه الآن، في السياق السياسي، تحديا هائلا.
يسيطر حزب اليسار الجمهوري، وحزب معا من أجل كتالونيا، وحزب الترشح من أجل الوحدة الشعبية، معا على 70 مقعدا في البرلمان الإقليمي.
نظريا، هنالك زيادة مقعدين من المقاعد اللازمة لتشكيل حكومة مؤيدة للاستقلال في برشلونة.
عمليا، يتبين أن تحقيق ذلك الهدف أمر صعب. فقد أظهرت الأسابيع الأخيرة وبشكل أكثر وضوحا من أي وقت مضى، مدى عمق الانقسامات داخل المعسكر الانفصالي.
أشار حزب اليسار الجمهوري، الذي كان أداؤه أسوأ مما كان متوقعا، مرارا وتكرارا إلى أنه مستعد لإعادة النظر في توجهه نحو الاستقلال واعتماد نهج تدريجي أكثر حذرا.
بالنسبة لقادة الاستقلال الآخرين، أبرزهم الحزب الراديكالي أي حزب الترشح من أجل كاتالونيا، يعتبر مثل هذا التحول أمرا غير وارد نهائيا.
لربما ينشأ التوتر أيضا حول تحديد الحزب الذي ينبغي عليه قيادة التكتل الانفصالي.
سيحظى كارليس بويجديمونت، رئيس الحكومة السابقة المخلوع والمنفي حاليا في بروكسل، بحجة قوية.
رأب الصدع الداخلي سيكون أمرا صعبا وتزداد المهمة تعقيدا أيضا بسبب الحسابات البسيطة. عدد من النواب المنتخبين ضمن قوائم "اليسار الجمهوري" و"معا من أجل كتالونيا"، بمن فيهم الزعيمان، إما أنهم في السجن أو خارج البلاد. ومن دون وجودهم، تتلاشى الأغلبية الانفصالية. إذ تستطيع الأحزاب دائما أن تُحِل مكانهم مرشحين من خارج القائمة، لكن هذا سوف يعني التضحية بالشخصيات الرئيسية الشعبية والأكثر خبرة في الحركة - وخسارة رمز سياسي مرموق.
حتى وإن كان بالإمكان التغلب على هذا العائق، فإن الأحزاب المؤيدة للاستقلال تواجه بعض القرارات الصعبة التي يجب عليها اتخاذها. لقد أظهرت الأشهر الأخيرة أن الاستراتيجية الحالية التي تعتمدها تلك الأحزاب للفوز بالاستقلال عن إسبانيا، تحظى بفرصة نجاح ضئيلة: ترفض إسبانيا منح كتالونيا حق استفتاء استقلال ملزم، والعالم بشكل عام قدم دعمه الكامل لطريقة تعامُل مدريد مع الأزمة. يبدو من غير المرجح أن تعمل نتائج ليلة الخميس قبل الماضي، على تغيير ذلك الوضع.
خريطة الطريق الكتالونية الأكثر شهرة نحو تحقيق الاستقلال قادت الحركة نحو مسار مغلق. وفي الوقت الراهن، ليست هنالك أي خريطة جديدة تلوح في الأفق.
2. عودة بويجديمونت
كان أداء الزعيم الكتالوني السابق وحزبه "معا من أجل كتالونيا" أفضل مما توقعت استطلاعات الرأي والمحللون. لقد شن حملته الانتخابية بناء على وعود باستعادة الحكم الذاتي لكتالونيا، بعد قرار الحكومة الإسبانية تفعيل المادة 155 من الدستور وتعليق السيادة الذاتية في المنطقة. في واحدة من كثير من الجوانب الغريبة لهذه الحملة، فعل ذلك دون أن تدوس قدمه ولو لمرة واحدة على أرض كتالونيا.
هرب بويجديمونت إلى بلجيكا في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، لتفادي الزج به في السجون الإسبانية. بقي في المكان عدد من وزراء حكومته وهم الآن في السجن بانتظار المحاكمة.
على الرغم من تعرض بويجديمونت للكثير من السخرية على نطاق واسع في إسبانيا بسبب قراره البقاء في الخارج، من الواضح أن أهل كتالونيا ينظرون إلى الأمور بشكل مختلف: بالنسبة للكثير منهم، كان التصويت لزعيم منفي بمثابة تصويت لحكومتهم الشرعية - وضد الحملة الجائرة التي تشنها عليهم مدريد. السؤال هو ما الذي سيفعله بويجديمونت بعد ذلك. على الرغم من الانتصار الكلي الشامل الذي حققته كتلة الاستقلال، إلا أن تشكيل حكومة كتالونية جديدة لن يكون أمرا سهلا. متاعبه القانونية أيضا من المتوقع أن تستمر.
قيام إسبانيا بسحب مذكرة الاعتقال الدولية المتخذة بحق ذلك السياسي الكتالوني، لا تعني أن أي عودة له إلى إسبانيا، من شأنها أن تؤدي إلى احتجازه.
مع ذلك، وفي الوقت نفسه، يمكنه الاستفادة من الحقيقة التي مفادها أن قائمته الانتخابية، التي كانت حتى قبل أسابيع قليلة متوقع لها أن تخسر الانتخابات، برزت كأكبر قوة داعمة له مرة أخرى داخل حركة الاستقلال.
3. الأغلبية الصامتة تجد لها صوتا
عاشت حركة الاستقلال بضع ساعات مليئة بالقلق في وقت متأخر من يوم الخميس قبل الماضي. لقد وصلت الأخبار السيئة على شكل أرقام إقبال تظهر ارتفاعا في التصويت فيما يسمى: "الحزام الأحمر" المحيط ببرشلونة.
يصف هذا المصطلح المدن والضواحي المكتظة بالسكان التي تحيط بالعاصمة الكتالونية، والتي هي موطن لتجمع كبير من الناخبين الذين وصلوا من أجزاء كبيرة من إسبانيا، إضافة إلى أبنائهم. يتكلم معظمهم اللغة الإسبانية لا الكتالونية ويعتبرون أنفسهم من الإسبان وليسوا من أهل كتالونيا.
تاريخيا، أظهرت مدن الحزام الأحمر مثل هوسبيتالت وبادالونا معدلات مرتفعة من الامتناع عن التصويت في الانتخابات الإقليمية الكتالونية، ما يعكس الافتقار إلى الانخراط مع السياسة الإقليمية.
مع ذلك، تبدو اللامبالاة الآن بأنها غابت لتحل محلها مشاعر السخط. هؤلاء الناخبون، الذين غالبا ما يوصفون بـ "الأغلبية الصامتة"، جاؤوا بأعداد كبيرة يوم الخميس الماضي، في محاولة لمنع حدوث انفصال تاريخي بين إسبانيا وكاتالونيا، وللحفاظ على اتصال يعملون هم أنفسهم على تجسيده.
في السياق السياسي، وعلى الرغم من لقب "الحزام الأحمر"، يبدو أن الارتفاع الكبير في التصويت في تلك المجتمعات أفاد الحزب الاشتراكي فائدة يسيرة. بدلا من ذلك، كان الكثير من التصويت لصالح إينيس أريماداس وحزب المواطنين، الذي شهد ارتفاعا في حصته من الأصوات من 18 في المائة إلى 25 في المائة.
في النهاية، لم يكن التحول كبيرا بما يكفي ليضمن حصول الكتلة المناهضة للاستقلال على أغلبية كافية. مع ذلك، وبالنسبة للقيادة الانفصالية، فحقيقة أن الأغلبية الصامتة بدأت تجد صوتا لها هي نذير شؤم. فيما لو بقيت هذه الشريحة الكبيرة (التي لا تزال إلى الآن منفصلة عن الناخبين) منخرطة في السياسة الإقليمية، سيصبح تأمين أغلبية داعمة للاستقلال أمرا أكثر صعوبة بكثير.
4. نتائج جيدة لأريماداس..ولكن
كانت زعيمة الحزب المناهض للاستقلال حزب المواطنين إحدى نجوم انتخابات عام 2017. بعد الحملة النشطة التي عولت كثيرا على صورتها وشخصيتها، قادت أريماداس الحزب المناهض للاستقلال، ليحصل على نتيجة تاريخية.
ليلة الخميس قبل الماضي، أصبح حزب المواطنين أول حزب غير قومي يتصدر الانتخابات الإقليمية الكتالونية، بحيث حصد 37 مقعدا في البرلمان. بعد سنوات من الهيمنة الانفصالية، ستترأس أكبر كتلة في المجلس التشريعي.
تحقيق ذلك الإنجاز كان مذهلا بشكل خاص، بالنظر إلى تاريخها، الذي يعطي تناقضا صارخا مع المسار العادي التقليدي للسياسة الكتالونية. ولدت أريماداس في المدينة الأندلسية (جيريز دي لا فرونتيرا)، التي تبعد أكبر مسافة ممكنة عن كتالونيا جغرافيا وثقافيا ضمن إسبانيا. وقد انتقلت للعيش في برشلونة وهي في العشرينات من عمرها ودخلت مجال السياسة قبل خمس سنوات. وهي حليف وثيق لألبرت ريفيرا، الزعيم الوطني لحزب المواطنين، ومن المؤكد أن نتيجة الانتخابات يوم الخميس قبل الماضي، ستزيد من تعزيز صورتها الوطنية.
مع ذلك، تغلب على الانتصار الذي حققته أريماداس طعم المرارة. على الرغم من الأداء القوي لحزبها، ليست أمامها أية فرصة لأن تصبح الرئيس المقبل لكتالونيا. حتى مع الدعم المقدم من الحزب الشعبي المحافظ والاشتراكيين (الأمر الذي لن يكون الحصول عليه أمرا سهلا)، إلا أنه لا تزال تنقصها عشرة مقاعد من الأغلبية البرلمانية. هذا هو الواقع السياسي الغريب في كتالونيا هذه الأيام: قيادة أكبر حزب لا تعني قيادة أكبر كتلة.
5. التخلص من الحزب الشعبي
لم تكن النتيجة بمنزلة ضربة للقوى المناهضة للاستقلال في إسبانيا فحسب بل كانت أيضا ضربة قوية بالنسبة للحزب الشعبي المحافظ بقيادة ماريانو راخوي، رئيس وزراء إسبانيا. فقد حل الحزب في مرتبة كئيبة هي المرتبة السابعة، بحصوله على ثلاثة مقاعد فقط في البرلمان المكون من 135 مقعدا.
على مدى سنوات، كان الحزب الحاكم في إسبانيا يخسر وبشكل مطرد الأصوات في المنطقة لصالح حزب المواطنين الليبرالي، إلا أنه مناهض للاستقلال أيضا.
بعد تشكله قبل 11 عاما فقط في كتالونيا، كان الهدف من تأسيس حزب المواطنين إلى حد كبير هو الحد من تصاعد النزعة الانفصالية في المنطقة. لقد توسع بشكل سريع جدا في أجزاء أخرى من إسبانيا، ما شكل تحديا حقيقيا أمام الحزب الشعبي، وقاعدته المحافظة التي كانت في الماضي صلبة كالصخر.
من المحتمل أن يرى راخوي بعض الجوانب الإيجابية من خلال نتائج الخميس قبل الماضي. ربما يبقي الانفصاليون قبضتهم على البرلمان الكتالوني والحكومة الكتالونية، إلا أن بوسع رئيس وزراء إسبانيا تعزية نفسه من خلال فكرة أنهم فشلوا مرة أخرى في الحصول على أغلبية الأصوات - العتبة التي دائما ما فشلت حركة الاستقلال إلى الآن في تجاوزها في الانتخابات.
حين تؤخذ معا، انخفضت حصة الأصوات التي فازت بها الأحزاب الثلاثة المؤيدة للاستقلال بشكل ضئيل مقارنة بعام 2015: علينا أن نتوقع سماع كثير من التعليقات حول ذلك من راخوي والحزب الشعبي.
المشكلة هي، على الأقل في كتالونيا، أن ناخبي الأحزاب المعادية للاستقلال يبدو أنهم يعتبرون حزب المواطنين موطنا سياسيا جديدا لهم، وليس الحزب الشعبي.
النتائج الضعيفة التي حصل عليها المحافظون ليلة الخميس قبل الماضي، ستُضعِف أكثر من شرعية راخوي في أعين كثير من أفراد الشعب الكتالوني. وهذا لا يبشر بكثير من الخير بالنسبة لأي مفاوضات مستقبلية تستهدف إيجاد حل للصراع السياسي المرير.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES