سوق العمل .. وعلاقتها بالذكاء الاصطناعي

|

ماذا يجمع الذكاء الاصطناعي بسوق العمل؟ ثم ماذا يجمع هذين الأمرين معا بالمستقبل؟ إذا بدأنا بالمستقبل، لا بد من تأكيد حقيقة أن الزمن متغير رئيس في حياتنا: الماضي منه رحل بعد أن أورث الحاضر كل من لديه من أحداث وتراث ومعارف؛ والحاضر يواكب أعمالنا والحياة التي نعيشها، ويشهد منجزاتنا، وتعاملنا مع معطيات الماضي؛ والمستقبل ينتظر معطيات الحاضر لينطلق إلى آفاق جديدة. ونحن أهل الحاضر علينا أن نهتم بالمستقبل من أجل أبنائنا وأوطاننا والمسؤوليات المنوطة بنا، خصوصا أن علينا مسؤولية "اعقل وتوكل". فإذا كنا نريد مستقبلا أفضل للأجيال القادمة، فإن علينا أن نستعد لهذا المستقبل ونخطط له بمحاولة التأثير في أحداثه، وربما توجيه مسيرته نحو تحقيق الآمال التي نتطلع إليها.
ولعل قضية "عمل الإنسان" تبرز بين أهم قضايا المستقبل. فعمل الإنسان مطلوب اقتصاديا ومأمول اجتماعيا وإنسانيا أيضا. مطلوب اقتصاديا من أجل تقديم منافع تحمل قيمة للآخرين، يبادلونها بقيمة مقابلة تحرك الأعمال في المجتمع، وتفعل ما عبر عنه الاقتصادي الشهير آدم سميث Adam Smith "باليد الخفية" Invisible Hand التي ترحب بالأعمال المختلفة للناس، لأنها تمكنهم من تبادل المنافع فيما بينهم، وتحريك عجلة الاقتصاد، والعيش المشترك بسلام ووئام. ولا شك أن كل من يعمل ويقدم قيمة يحظى بمكانة خاصة في المجتمع تعزز متعته في الحياة. ويضاف إلى ذلك، أن الابتعاد عن العمل غير محمود، حتى مع وجود ضمان مالي يمكن الإنسان من الحياة، ففي هذا الابتعاد فراغ، غالبا ما يكون عبئا على النفس البشرية.
ونأتي إلى الذكاء الاصطناعي الذي يشهد تزايدا في إمكاناته وتطبيقاته في مختلف المجالات. ويستند هذا الذكاء في جوهره إلى علوم الحاسوب، وينتج عن برمجته بطريقة جديدة تبتعد عن أسلوب التلقين، كما هو الحال في البرمجة التقليدية، وتعتمد أسلوب "الانفتاح" على المعلومات، بمعنى تمكين الحاسوب من محاكاة عقل الإنسان في التعلم وتحليل المعلومات وبناء الخبرة واتخاذ القرارات. ولا يقتصر أمر هذا الذكاء على ذلك فقط، بل يركز أيضا على التكامل مع أنظمة ميكانيكية مختلفة، يقوم بالتحكم فيها عبر برامجه المنفتحة، كما هو الحال في "أنظمة الروبوت" الحديثة. وينتشر الذكاء الاصطناعي حاليا في مختلف المجالات: في الصناعة، حيث خطوط الإنتاج؛ وفي الزراعة حيث الوسائل الحديثة؛ وفي الخدمات، حيث قيادة السيارات والطائرات؛ وفي الإنترنت، حيث الكشف عن رغبات المستخدمين وتزويدهم بما يريدون دون طلب مسبق؛ وفي الترجمة، وخصوصا الفورية التي لا يتقنها سوى أصحاب الخبرة.
وبعد إلقاء الضوء على كل من الذكاء الاصطناعي، وسوق العمل، والمستقبل، نعود إلى محاولة طرح ما يجمع بينها. في هذا الأمر نجد كثيرا من الخبراء يرفعون رايات الإنذار محذرين من أن التقدم المتسارع القائم في الذكاء الاصطناعي سيؤدي في مستقبل غير بعيد إلى تقليص سوق العمل لمصلحة إحلال الآلة محل الإنسان، وسيزداد هذا التقليص مع الزمن حتى تصبح الأعمال أو جلها بيد الآلة. هذه القضية تحتاج إلى نظرة تحيط بها من جوانبها المختلفة من أجل استيعابها، ومن أجل تحديد توجهات مستقبلية للتعامل معها. والغاية المنشودة هي إيجاد حلول حكيمة تتوخى مصلحة الإنسان في تفعيل الاستفادة من هذه التقنية، دون أن تؤدي إلى حرمانه من العمل.
في النظر إلى موضوع الذكاء الاصطناعي وسوق العمل، نعود إلى معطيات تجارب الماضي بشأن التقنية وسوق العمل، فقد قدمت التقنية عبر الزمن وسائل لمساعدة الإنسان على تحقيق ما يريد بشكل أفضل وإنتاجية أعلى وجهد أقل. وعلى ذلك بات الإنسان والتقنية بين يديه يتمتع بإنتاجية أعلى، ما يقلل الحاجة إلى آخرين، أي يؤدي إلى تقليص سوق العمل في المجال الذي تستخدم فيه الآلة. ومن الأمثلة التي تجسد هذا الأمر مثال القطاع الزراعي، حيث بلغ حجم سوق العمل في هذا القطاع، في الولايات المتحدة، في مطلع القرن التاسع عشر 90 في المائة، ليتقلص في مطلع القرن العشرين إلى 40 في المائة، ثم ليتقلص أكثر إلى 2 في المائة في مطلع القرن الحادي والعشرين. وقد ترافق هذا التقلص، الناتج عن استخدام الآلة، مع زيادة إنتاجية القطاع ليلبي المتطلبات المحلية المتزايدة، ويسهم في الاحتياجات الدولية المتزايدة أيضا.
مع تقلص سوق العمل في القطاع الزراعي، توسع سوق العمل في القطاع الصناعي المتطور، كما توسع أيضا في قطاع الخدمات. ومع تزايد الاعتماد على التقنية في هذه القطاعات، برزت الحاجة إلى عمالة مؤهلة فيها، فكان لا بد من زيادة الاهتمام بالمدارس والجامعات من أجل تقديم المتخصصين المؤهلين في مختلف المجالات، ومن أجل تطوير التقنية نحو الأفضل، وتفعيل تجددها.
وفي موضوع التقنية وسوق العمل أيضا، أدى ظهور الحاسوب، في منتصف القرن العشرين، ثم ما تبعه من تطبيقات واستخدامات، مثل تمكين الآلات الميكانيكية من العمل ذاتيا، وبروز أجهزة "الروبوت" الأولى، إلى إثارة المهتمين بسوق العمل. ففي 22 آذار (مارس)، عام 1964، قدمت مجموعة من العلماء الأمريكيين تقريرا إلى الرئيس الأمريكي، يحذرونه من تقلص سوق العمل، ومخاطر ذلك. لكن إنذارهم هذا ما لبث أن تلاشى أمام ظهور وظائف جديدة ناتجة عن التقدم التقني الصاعد، وأمام وجود مؤسسات تعليمية متطورة تستجيب لمتطلبات هذه الوظائف.
لا شك أن الذكاء الاصطناعي يحمل تحديات لسوق العمل في المستقبل، ولا بد لنا من مواجهة ذلك. وتحتاج هذه المواجهة إلى مراكز أبحاث في هذا الموضوع تهتم بالإسهام في تطويره وامتلاك ناصيته من جهة، وتدرس أثره في سوق العمل من جهة أخرى. والمقصود هنا دراسة ليس فقط مدى تقليصه لهذه السوق مع الاستمرار في تطوره، بل الوظائف الجديدة غير المسبوقة التي يمكن أن يولدها أيضا. وتحتاج هذه المواجهة، إضافة إلى ذلك، إلى البدء في توطين هذا الذكاء خصوصا أنه جهد فكري في جوهره يركز على برمجة الحاسوب المنتشر من حولنا أنى نظرنا. والطريق إلى ذلك هو التعليم بمراحله كافة، فلماذا لا تكون برمجة الحاسوب والذكاء الاصطناعي مقررا رئيسا في التعليم يفعل عقل الإنسان نحو الإبداع والابتكار والريادة فيه، ويؤسس لمستقبل مشرق نتطلع إليه؟!

إنشرها