الموارد الطبيعية .. الشباب والمال .. ماذا تبقى؟

|

إن من أهم أدوات قياس قوة اقتصاد أي بلد الميزان التجاري Balance Of Trade الذي يحسب الفرق بين الصادرات والواردات للبلد، بحيث إذا كانت قيمة الصادرات أكثر من الواردات فسينتج لنا فائض في الميزان والعكس صحيح، تقليديا ومنطقيا تهدف الدول إلى تعزيز الميزان التجاري بحيث يحقق فائضا حتى لا يختل الوضع الاقتصادي أو النقدي للدولة؛ لأن حدوث عجز في الميزان يعني اضطرار الدولة والبنك المركزي إلى تغطيته من عدة مصادر مثل الاحتياطيات من العملة الصعبة أو الاقتراض الخارجي، إن من أكبر الدول تحقيقا لفائض في الميزان ألمانيا تتبعها الصين، وهذا يدل على قوة اقتصادهما وقدرتهما على التصدير بحجم أعلى من التوريد، وعلى العكس، الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في مقدار العجز التجاري، "وهذه لها مسبباتها لا يتسع المقام للحديث عنها"، ولكي تحافظ الدولة على سلامة ميزانها التجاري، فإنها تسعى لتعزيز التصدير أو تعويض الواردات من الاقتصاد المحلي أو كليهما، لكن هذا تبسيط شديد لخفايا ومدلولات الميزان التجاري، في الحقيقة يجب قراءة وتحليل الميزان بشكل أكثر عمقا، وتحليل مكوناته وربطها بأرقام أخرى، وهذا موضع آخر لا مجال لشرحه هنا.
حسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء، فإن الميزان التجاري للسعودية حقق فائضا بحدود 162 مليار ريال عام 2016 مرتفعا عن عام 2015 بـ 50 في المائة، وبالطبع يتأثر هذا الرقم كثيرا بطبيعة الصادرات والواردات، حيث يشكل ارتفاع أو انخفاض أسعار البترول وحجم الإنتاج عاملا كبيرا جدا في تحركه، حيث شكلت الصادرات البترولية 75 في المائة من إجمالي الصادرات، بل بلغت عامي 2011 و2012 ، 87 في المائة عندما كانت أسعار البترول مرتفعة، وفي تصنيف آخر "على حسب طبيعة المواد"، شكلت نسبة تصدير المواد الخام 63 في المائة ونصف المصنعة 18.3 في المائة وأخيرا المصنعة 18.6 في المائة، وهذا يعكس ضعف القاعدة الإنتاجية والتصنيعية وسلاسل الإنتاج وصولا لما يسمى التصنيع النهائي أو السفلي downstream، وهو بالعادة الأعلى قيمة والمرتبط بالمستهلك النهائي، وعلى النقيض منه الواردات، حيث تبلغ نسبة الواردات من المواد الخام فقط 4.5 في المائة ونصف المصنعة 24 في المائة وأخيرا المصنعة 71 في المائة!! وهذا يوضح الخلل الكبير الحاصل اليوم في الميزان التجاري من ناحية تحليل المكونات، حيث لولا الله ثم النفط لكان هنالك عجز كبير جدا "في حال افتراض استمرار الطلب نفسه على الواردات" ما يثقل الدولة بالديون لتغطيته.
تدرك الدولة الأهمية الكبيرة لرفع كفاءة مكونات الميزان التجاري والفائض، بحيث تلعب الصادرات غير النفطية دورا أكبر، وتزيد نسبتها إلى إجمالي الصادرات ليتعزز الاقتصاد وتقل خطورة تذبذب أسعار النفط، وتشجع أكثر على جذب الاستثمارات، ولهذا نشاهد اهتمام الدولة لرفع الصادرات غير النفطية، ووضع أهداف لها، ومساعدة المصانع على التصدير، حيث شملت حزمة مبادرات تحفيز القطاع الخاص، التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين أكثر من مبادرة لتحفيز القطاع الخاص للتصدير.
أعتقد أن مع تطورات الاقتصاد العالمي واشتداد المنافسة، يجب أن نبحث عن موقع مناسب لنا من بين المصدرين عالميا؛ حيث إن كثيرا من القطاعات الاقتصادية ستتلاشى، ومقابلها قطاعات ستبرز وتكبر، لذلك يجب ألا تنجرف بنا الرغبات نحو التركيز على قطاع صناعي معين بسبب حالة السوق اليوم، بل يجب دراسة المستقبل واتجاهات السوق واتجاهات الطلب، تبرز اليوم تحديات كبيرة في الاقتصاد، خصوصا بعد العولمة وفتح الأسواق، حيث أساسيات السوق هي التي تحكم في النهاية، والبقاء للأفضل والأقل تكلفة، وهذا هو مفتاح الأسواق. قد تفتقر "بعض وليس كل" صناعاتنا إلى المقدرة على المنافسة وتقديم المنتج بتكلفة أقل مع الحفاظ على الجودة في السوق المحلية، فما بالك بالسوق العالمية، ولذلك نشاهد أن كثيرا من الدول غيرت في نماذجها الاقتصادية، التي لم تستطع المنافسة مع الصناعات التي تعتمد على اليد العاملة الرخيصة، واتجهت إلى الملكية الفكرية والتقنية والابتكار، بحيث ترتكز القيمة الحقيقية في المنتج النهائي على الابتكار والتطبيق والملكية الفكرية كما تفعل شركة أبل وغيرها، حيث لا تصنع أي قطعة في جهازها، الاتجاهات الاقتصادية وخصوصا التقنية تذهب اليوم إلى قطاعات مثل الذكاء الصناعي، إنترنت الأشياء، الواقع الافتراضي، البيانات الضخمة، السحابيات وتقنيات التشفير مثل الكتل المتسلسلة Block chain التي أفرزت منتجات العملات المشفرة مثل "بيتكوين" وغيرها، هذه التقنيات أصبحت هي التي تقود الاقتصاد، ويزيد تطبيقها والحاجة إليها بشكل متصاعد وقوي في كل القطاعات الصناعية والخدمية والزراعية وغيرها ومن دون استثناء، لتؤكد أهمية إشراك خططنا ورؤيتنا بها لتخدم أحد الأهداف، وهو زيادة تنافسية اقتصادنا وقدرته على المنافسة محليا في وجه الموردين الآخرين ومن ثم المنافسة في الأسواق الأخرى.
ختاما نملك في هذا البلد ما لا يملكه أغلب بلاد العالم: الموارد الطبيعية والمعادن، مجتمعا يغلب عليه فئة الشباب المتلهف للتقنية، الموقع الجغرافي المناسب، وأخيرا التمويل ورأس المال، إذن لا نحتاج إلا إلى الحكمة والتخطيط المناسب والرجال المخلصين لجعل هذه المكونات الموجودة تنتج اقتصادا أكثر كفاءة وأقوى تنافسية وأكثر تطورا، مواردنا الطبيعية يجب أن نستغلها في صناعات تحويلية أكثر قيمة، شبابنا يتم تأهيله وتعليمه بما يتواكب مع المستقبل ليشغل ويدير ويعمل على استغلال إمكانات بلده، ويتحول في النهاية مجتمعنا إلى مجتمع منتج بشكل حقيقي ومنافس؛ ليحقق أحد أهداف "الرؤية"، وهي تعزيز الصادرات غير النفطية، لدي يقين أننا لم نستغل إلا اليسير جدا من قدرتنا الموجودة اليوم، التي مع الأسف ما زالت مهدرة سواء من طاقات الشباب أو من المال والثروات، وأتمنى أن أشاهد اليوم الذي تأخذ المملكة مكانها بين الدول المتقدمة بمنتجات منافسة، وتحقق المعادلة الأصعب بتحقيق فائض في الميزان التجاري من دون الاعتماد على الصادرات النفطية.

إنشرها