المخدرات بين أوباما و«حزب الله»

|

"في يوم ما، سيصحو العالم على كارثة مشابهة لهجوم سبتمبر. بينما الأمم المتحدة لا تقوم بشيء يذكر حيال إيران"
نيوت جينجريتش، الرئيس السابق لمجلس النواب الأمريكي

كثيرون من أولئك الذين تابعوا سلوكيات إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما حول عدد من القضايا، لم يصدموا من المعلومات التي ظهرت أخيرا، بأن هذا الرئيس أوقف تحقيقات إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية حول شبكة إجرامية تابعة لـ"حزب الله" اللبناني الإرهابي. التحقيقات المشار إليها يمكن بحق وصفها بالتاريخية، لماذا؟ لأن إدارة المكافحة المشار إليها استعانت بـ 30 جهازا أمنيا محليا وخارجيا، حول الشبكة الإجرامية لتهريب الكوكايين والأسلحة وغسل الأموال التابعة لهذا الحزب. ويعرف العالم، حتى بدون تحقيقات، أن "حزب الله" يعتمد على تجارة المخدرات بأنواعها، مصدرا رئيسا له، إلى جانب بقية الأعمال الإجرامية الهادفة لجني المال. شكلت هذه التجارة المشينة، المحور الأول لاقتصاد "حزب الله"، إلى درجة أن روج سابقا في أوساط السياسيين اللبنانيين على إدخال المخدرات ضمن الاقتصاد اللبناني، لتحصيل ضرائب "وطنية" عليها.
الصدمة هنا ليست آتية من اقتصاد المخدرات هذا، بل من إيقاف أوباما تحقيقات مؤسساته الأمنية حول الشبكة الإجرامية لـ"حزب الله"، وذلك لكي لا تتأثر المفاوضات النووية مع إيران سلبا. والرئيس الأمريكي السابق، ربط كل شيء بهذه المفاوضات التي اعتبر أن نجاحها سيضعه في كتب التاريخ جنبا إلى جنب مع الرؤساء السابقين الذين حققوا إنجازات لا يمكن أن يمحوها التاريخ. وبلغ، كما هو معروف، تساهله مع النظام الإرهابي في إيران، درجة أوصلت حلفاء واشنطن إلى التلاسن العلني، واتهام الإدارة الأمريكية بتقديم تنازلات لا يحلم علي خامنئي نفسه بها. كان يريد أن يحقق إنجازا تاريخيا بصرف النظر عن مستوى التكاليف، مستغلا بالطبع قوة الحلفاء الصوتية فقط. فهؤلاء لم يكونوا على قدر تاريخهم، ولن يكونوا في المستقبل.
سمحت المخدرات للحزب اللبناني الإرهابي بالحصول على إيرادات تقدر بمليارات الدولارات. أين ذهبت؟ إلى العمليات الإرهابية التي يقوم بها هنا وهناك، لاسيما عملياتها الإجرامية على الأراضي السورية. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. في الأشهر الماضية، أظهرت تقارير للأجهزة الأمنية الأمريكية، أن نسبة كبيرة من المخدرات التي يتاجر بها الحزب المذكور دخلت الأراضي الأمريكية فعلا، وأن العصابات تتداولها على امتداد البلاد، والروابط بين الحزب وعصابات المخدرات في عدد من بلدان أمريكا اللاتينية وتحديدا المكسيك وكولومبيا، بلغت أعلى مستوى لها في السنوات الثماني الماضية، أي في الفترة التي حكم فيها أوباما بلاده! ليس مهما أن تغرق المخدرات الأراضي الأمريكية، المهم أن يخرج أوباما من البيت الأبيض حاملا اتفاقا نوويا، أثبتت الفترة اللاحقة أنه أكثر من هش، وقابل للانهيار.
لنترك جانبا ما تمتع به النظام الإيراني جراء هذا الاتفاق، وما سبقه من امتيازات أمريكية مذهلة. ناهيك عن أن "التمتع" فرض في هذه البلاد. ثبت بالشهادات أن أوباما الذي واجه معارضات حتى ضمن إدارته، كان يحمي الإرهاب والإرهابيين من خلال تعطيل التحقيقات المشار إليها. ومن هنا يمكن النظر إلى مطالبة نائبين أمريكيين من لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في المجلس النيابي بفتح تحقيق حول ما ورد في التقارير الأخيرة، دون أن ننسى، أن أحد كبار المسؤولين عن التحقيقات الخاصة بالمخدرات اعترف علانية بتعطيل أوباما لها. وقد تتسع دائرة المطالبة العام المقبل، ما يضع الرئيس السابق في دائرة تحقيقات شاقة، لن تركز فقط على تمويل الإرهاب من عوائد المخدرات، بل إغراق الولايات المتحدة نفسها بمخدرات "حزب الله".
والجانب الأخير لا يقل أهمية عن الأول على اعتبار أن المخدرات وفق القانون الأمريكي والقوانين العالمية كلها، تماثل الإرهاب خطرا. التفاصيل التي ظهرت حول هذه القضية كثيرة، بما في ذلك رفض إدارة أوباما محاكمة متهمين رئيسين في القضية بينهم ممثل بارز لـ"حزب الله"، وبنك لبناني متهم بغسل الأموال بلغت مليارات الدولارات، وقيادي في ما يسمى "فيلق القدس"، كان موجودا فعلا في الأراضي الأمريكية. بل رفضت وزارة الخارجية الأمريكية المساعدة على إيصال المستهدفين المهمين إلى البلدان التي تتوافر فيها إمكانية اعتقال المتهمين بشكل قانوني! المثير للغثيان أيضا، أن أوباما سعى طوال فترة رئاسته إلى ماذا؟ إلى دمج "حزب الله" الإرهابي في النظام السياسي اللبناني!
تفاصيل كثيرة مرعبة، لما كانت تقوم به إدارة أوباما على صعيد إيران و"حزب الله". هذه جريمة وطنية أمريكية قبل أن تكون شرق أوسطية –عالمية. لكل الدول المتضررة من أعمال إيران وعصابة "حزب الله" أن تحمل الرئيس الأمريكي السابق مسؤولية تعرضها للمخاطر الإرهابية، وتلك الناجمة عن المخدرات بأنواعها. لكن لا أمل في حلفاء الولايات المتحدة الغربيين في ذلك، هؤلاء أصبحوا منذ سنوات ظاهرة صوتية مملة. المسؤولية تقع الآن على المؤسسات التشريعية والرقابية والإصلاحية الأمريكية على أساس أن جريمة سياسية كهذه لا تموت بخروج مرتكبها من الحكم، ولا بالتقادم.

إنشرها