اغتيال العروس

|

كانت كعروس تتهادى بين الحضور في كامل زينتها لا أحد يشبهها أو يحاول أن يقارن نفسه بها، كانت أيامها يوم عرس مستمر، عاشت بعده أياما وأزمانا سعيدة، أبناؤها يفخرون بها ويتباهون بجمالها، لم تكبر ولم تهرم ولم تظهر في وجهها التجاعيد، بل أبناؤها هم من كبروا وتكبروا عليها، بدأوا يشتمونها ويتخلون عنها ويعتقدون أن الزمن ليس زمانها، وهي من هي؟ (لغتنا العربية)!!
في كل دول العالم وشوارعه وحواريه وأفخم أحيائه ولوحات محاله تجدهم يكتبون ويتحدثون بـ"لغتهم الأم" وفي بعض الدول يستحيل أن يتحدثوا معك أو يجيبوا على أي سؤال بغير لغتهم، فتضطر لحمل عنوان وجهتك مكتوبا في ورقة صغيرة وأن تجرب مهارتك في لغة الإشارة، إلا نحن!!
مع مرور الزمن أصبحنا نخجل منها، نتخلى عنها، قبل عام زرت معرضا من اسمه توقعت أن أجد رائحة جدران الطين وألوان ملابس الجدات ولغة الأحباب، بل ولهجتهم، صدمت عندما لم أجد من ذلك إلا اسم المعرض أما داخله وبين أروقته تجلت اللغة الإنجليزية بعظمتها وجبروتها فظهرت في عناوين المحال وتجلت على ألسنة الباعة بينما توارت عروسنا في ركن قصي تندب حظها، لم يعرها أحد اهتماما ولم يلحظ أحد دموعها ولا انكسارها!!
أصبحنا نفتخر بإهمالها ونتحجج أنه ليس وقتها وأن كل متمسك بها إنما هو متمسك بأسمال الماضي، نسوا وتناسوا عظمتها وذلك الجمال وتلك السكينة التي تمنحها لقارئيها بثراء مفرداتها وجزالة معانيها، قبل يومين هاج الناس بين مؤيد ومعارض عندما اتصلت تلك الأمريكية المتعالية برقم الطوارئ وعندما لم يتمكن المجيب من فهم حديثها شتمته بأقبح الألفاظ، نحن مع أن يكون هناك متحدثون بكل اللغات الأجنبية وليس الإنجليزية فقط فلدينا جاليات من شتى أصقاع الأرض ولكن عليهم معاملتنا بالمثل كما يفعل رجالنا وأبطالنا أثناء الحج!!
لا نريد أن نحتفل بها يوما في السنة، نكيل لها المديح ونستعرض مجدها وتاريخها فيه، بل نريدها عمرا وعنوان حياة، نحن نغتالها في عقر دارها عندما تكون أسماء محالنا بلغة إنجليزية صرفة أو معربة، وعندما يكون نصف كلامنا أجنبيا وعندما نتحدث مع صغارنا بها ونفتخر بمعرفتهم لأسماء أشيائهم بها، وعندما نكون في مؤتمر أو محاضرة غالبية الحضور بهما عرب ومع ذلك كل ما حولك أجنبي عنك!!
هل اللغة العربية مخجلة لهذا الحد، وهل الحديث بها عار، وهل أهدر دمها بين القبائل أخيرا، بل وسمح لأبنائها قبل الغرباء أن يفتكوا بها ويغتالوها بدم بارد؟!

إنشرها