«بلاش نصايح»

|

من المتوقع رفع أسعار منتجات الطاقة وفرض ضريبة القيمة المضافة مع بداية 2018، الأمر الذي سيقود بلا شك إلى زيادة تكاليف المعيشة. وقد انبرى عديد من وعاظ وسائل التواصل الاجتماعي في تقديم النصائح والتوصيات للتعامل مع نتائج زيادة الأسعار، مع كثير من المبالغة عن تأثير رفع الأسعار في معيشة الأسر. فهناك من ينصح بالتخلص من السيارات الكبيرة التي تستهلك الوقود بكميات كبيرة، بل من يوصي ببيع البيوت الواسعة والانتقال إلى مكان أصغر أو شقة. ويبالغ البعض فيوصي بتجنب الاستثمار وتأجيل شراء السلع المعمرة والتمسك بالوظيفة مهما كان راتبها. نعم هناك بعض النصائح المعقولة والمقبولة والمعلومات السليمة كتوضيح معدلات استهلاك الأجهزة والسيارات، ولكن كثرة النصائح والتوصيات المتشائمة حول الأوضاع المعيشية في غير محلها وتثير في بعض الأحيان الشك والريبة.
ستقود زيادة الأسعار إلى رفع تكاليف منتجات الطاقة ومعظم السلع والخدمات. وقد توقع بيان الميزانية ارتفاع معدلات التضخم عن مستوياته السالبة أو شبه الجامدة في عام 2017 إلى نحو 5.7 في المائة في عام 2018، نتيجة لهذه الزيادات. وفي حالة دقة هذه التوقعات فهذا يعني خسارة الأسر ذات الدخل الثابت جزءا من دخلها الحقيقي بمعدلات تقارب معدلات التضخم. صحيح أن حساب المواطن سيعوض عديدا من الأسر عن بعض خسائرها المتوقعة الناتجة عن زيادة الأسعار، ولكن ستفقد معظم الأسر جزءا من دخلها. ويتوقف التأثير النهائي لكل أسرة على مقدار الدعم ومدى تفاعلها مع زيادة الأسعار.
نظرا لكون منتجات الطاقة وكثير من السلع التي ستخضع لضريبة القيمة المضافة سلعا وخدمات ضرورية ويحتاج إليها المستهلك، لذا فستستمر كميات استهلاكها قريبة من المعدلات السابقة لرفع الأسعار، خصوصا في الأمد القريب. وسيلجأ المستهلكون ــ لو اضطروا ــ إلى خفض مدخراتهم أو حتى الاقتراض لتلبية احتياجاتهم الاستهلاكية، كما سيحاول كثير منهم رفع دخولهم للوفاء بالتزاماتهم تجاه أسرهم. وتشير تجارب الدول الأخرى إلى أن زيادة أسعار منتجات الطاقة بحدة في السابق لم ينتج عنها سوى تراجع محدود في الأمد القريب. أما في الأمد البعيد فإن زيادة أسعار منتجات الطاقة ستؤثر في تصرفات المستهلكين بشكل فعال. وسينتج عن هذا اهتمام أكبر بوسائل وطرق واستثمارات توفير الطاقة في السنوات المقبلة. سيقود هذا الاهتمام إلى ترشيد استهلاك الطاقة والتحول بشكل تدريجي إلى مصادر الطاقة النظيفة، ما سيحدث بعض التأثيرات الإيجابية في البيئة المحلية، وسيحد من معدلات نمو استهلاك واستنزاف موارد الطاقة، ويوفر مزيدا من منتجاتها للتصدير.
يركز عدد لا يستهان به من الناس على تكاليف الوقود في قرارات شراء السيارات أو السلع المستهلكة للطاقة، ولكن هناك عوامل أخرى تؤثر أكثر في تكاليف استخدام السيارات. ولعل أكبر تكلفة في استخدام السيارات- خصوصا الجديدة- هي قيمة الإهلاك السنوي "الفاقد من القيمة"، حيث تتراجع قيمة السيارات بمعدلات تصل إلى الربع سنويا، وذلك وفقا لمتغيرات متعددة أهمها الزمن، والمسافات المقطوعة، ونوع السيارة وما إلى ذلك. فمن يملك سيارة قيمتها 100 ألف ريال قد يخسر 25 ألف ريال في السنة، وهو مبلغ كبير بالنسبة للمستهلك متوسط الدخل ويفوق كثيرا متوسط تكاليف الوقود في أي بلد. وتأتي تكاليف الوقود في المرتبة الثانية أو الثالثة في تكاليف استخدام السيارات، وتلعب المسافات المقطوعة سنويا الدور الأبرز في تحديد تكاليف الوقود. وسينتج عن رفع أسعار الوقود المتوقع زيادة تكاليف الوقود للسيارة الواحدة بمبلغ يتراوح ما بين 2000 ريال ــ للسيارة الصغيرة الموفرة للوقود ــ إلى أربعة آلاف للسيارة العائلية الكبيرة، إذا كانت المسافات المقطوعة بحدود 30 ألف كيلومتر في السنة. وينتقد البعض المستهلكين لاقتنائهم سيارات كبيرة، على الرغم من أن اقتناء هذا النوع من السيارات ناتج في الغالب عن حاجة وكبر العائلة، ولهذا من المتوقع استمرار الأسر الكبيرة في اقتناء سيارات عالية الاستهلاك للوقود.
لقد ارتفعت أسعار منتجات الطاقة في كثير من البلدان، ومع هذا لم يتعجل الناس في التخلص من سياراتهم الكبيرة ولا أجهزة التكييف بل استمروا في شراء الوقود واستهلاك الكهرباء والاستمتاع بالحياة قدر الإمكان. كما لم يغير المستهلكون كثيرا من مساحة منازلهم بل حاولوا التقليل قدر الإمكان من استهلاكهم وتحسين كفاءة منازلهم في استهلاك الطاقة.
من جهة أخرى فإن حض البشر للتوقف عن بعض الممارسات الاقتصادية كالاستثمار وتغيير الوظائف هو استخفاف بعقول الناس. إن معظم بني آدم راشدون ويسعون لتعظيم منافعهم والاختيار بما يحقق مصالحهم ويناسب ظروفهم. لهذا ينبغي على واعظي شبكات التواصل الاجتماعي أن يتركوا المستهلكين وشأنهم، ويكفوا عن التلبيس عليهم ونشر النصائح والتوصيات المضللة التي يبعث كثير منها على التشاؤم. وعموما يمكن القول بالعامية "بلاش نصايح بالفاضي والمليان" والناس ستتدبر أمورها، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

إنشرها