FINANCIAL TIMES

التقييم الأوَلي: الشعبوية خسرت المعركة لا الحرب

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وأمثاله، حين تعلو أصواتهم على أفعالهم، يقدمون حلولا بسيطة لتحديات مستعصية.
تبدأ المشاكل عندما يفوزون بالفعل. الأعذار بدأت بالنفاد لدى الرئيس الأمريكي. كذلك أيضا هو الوضع بالنسبة لبعض أصدقائه المقربين عبر المحيط الأطلنطي: صحيح أن بريطانيا متجهة نحو البريكزيت، إلا أن ما يتبين الآن هو أن استعادة السيطرة هي فكرة أكثر صرامة بكثير.
من السابق لأوانه أن نبدأ مراسم الدفن للتمرد الانتخابي الذي وقع خلال السنوات القليلة الماضية. تُحقق الأحزاب اليمينية المتطرفة فوزا مهما في الأصوات الانتخابية في كل أنحاء أوروبا.
حزب البديل لألمانيا المتخوف من الإسلام يمتلك الآن مقاعد له في البرلمان الألماني. والكراهية القبيحة للأجانب الممثلة في حزب الحرية في النمسا ، بات لها سقف يضمها في الحكومة، وليس تحت قبة البرلمان فحسب.
من جانب آخر، توقع كثيرون أن يكون 2017 العام الذي يكتسح فيه الشعبويون جميع من يقف أمامهم، إلا أن الذي حدث هو أن الناخبين استطاعوا إبقاء معظم هؤلاء الشعبويين في الخارج.
من الدلائل، فشل الناشط القومي المتعصب خيرت فلدرز في هولندا، وتعرضت مارين لوبن زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا لهزيمة فادحة أمام مرشح الوسط عمانويل ماكرون في انتخابات الرئاسة الفرنسية. بالتالي، عندما تكون الكأس نصف ممتلئة، من المهم قول ذلك.
الإحباط الكبير الذي يشعر به ترمب متجذر في عدم قدرته على تفهم مهامه كرئيس، فهو محصور في المكتب، وليس في السلطة، وما أبعد الفارق الموضوعي بينهما.
لم يتم بعد بناء الجدار المقرر على طول الحدود المكسيكية، وبرنامج الرعاية الصحية بأسعار معقولة الذي أوجده الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، لا يزال معمولا به، ولا تزال القوات الأمريكية موجودة في أفغانستان.
والتخفيض الضريبي بنسبة 35 في المائة الذي وعد بها أنصاره من الطبقة المتوسطة، ها هو يتسرب الآن ليصبح بدلا من ذلك في صالح الشركات الكبرى والطبقة الثرية.
والقائمة تطول: حلف النيتو الذي من المفترض أنه عفا عليه الزمن مُنِح مهلة جديدة، وتجنبت الصين أن توصم بأنها متلاعبة بالعملة، وتخلى البيت الأبيض عن خطط لفرض حظر شامل على المهاجرين من المسلمين.
بدلا من الصفقة الكبيرة الموعودة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تستهلك المؤسسات الأمريكية في واشنطن وقتها وجهدها في إجراء تحقيقات حول علاقة موسكو بحملة ترمب الانتخابية، على الرغم من امتعاض البيت الأبيض.
من خلال سحب الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة عبر الباسفيك، والتراجع عن اتفاقية التغير المناخي المبرمة في باريس، والتشكيك في الالتزامات طويلة الأمد مع الحلفاء، عمل ترمب على التسبب في تراجع النفوذ الأمريكي في مختلف أنحاء العالم – وهي أمور يصعب التوفيق بينها وبين إعادة أمريكا إلى مجدها السابق، كما يقول الخطاب الذي يراهن عليه الرئيس ترمب.
باختصار، تبين أن الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية لا تزيد على ذلك، أي أنها مجرد وعود. لا يمكن أن يكون من قبيل الصدفة أن نسبة التأييد التي يحظى بها الرئيس في هذه المرحلة من فترة ولايته، أي بعد مضي عام على توليه المنصب، هي الأدنى في التاريخ الأمريكي، عبر مقارنتها بنسب أسلافه من الرؤساء.
الإنجليز المتعصبون لبريطانيا في حزب المحافظين ليسوا أحسن حالا. فقد وعد بوريس جونسون، وزير الخارجية، بأن يعمل الخروج من الاتحاد الأوروبي على جلب طوفان من المال، من أجل إنقاذ الخدمات الصحية، في البلاد.
وكان قد قال أيضاً إن بريطانيا لن تدفع الأموال اللازمة للوفاء بالتزاماتها الحالية، وإن الاتحاد الأوروبي يستطيع أن "يبلط البحر" إن لم يعجبه ذلك. والآن تدفع حكومة تيريزا ماي 40 مليار يورو إلى بروكسل، وتواجه دائرة الخدمات الصحية الوطنية انهيارا ماليا.
أما بالنسبة لاستعادة السيطرة، فقد كان أنصار البريكست عالقين بشعار حملتهم اللاذع. وجرى تسويق مغادرة الاتحاد الأوروبي على أنها ممارسة لاستعادة السيادة البرلمانية، لكن ثمن السيادة الاسمية هو الفقر الوطني.
لقد قرر البرلمان الآن أنه لا بد أن يستعيد السيطرة على شروط الانفصال، وهناك الكثير من التراجعات الأخرى بانتظارنا، في الوقت الذي يتبين فيه أن الصفقات التي وعد بها جونسون على شاكلة مفارفة "أكل الكعكة والاحتفاظ بها، في الوقت نفسه" وهمية بلا جدال، بقدر الأموال التي تم التعهد بدفعها لصالح الخدمات الصحية، باعتبار أن ذلك هو حلوى انتصار معسكر الخروج من الاتحاد الأوروبي.
الإغراء أمام الذين يتمسكون بالنظام السياسي الليبرالي هو الجلوس جانبا ومراقبة تحطم الأواني الفخارية، بينما يجري الكشف عن الشعبويين. بالنسبة لترمب، لن يكون عام 2018 فترة زمنية أسهل.
التحقيقات في الاتصالات المزعومة مع نظام بوتين سوف تستجمع قواها تماماً، في الوقت الذي يدخل فيه الجمهوريون الانتخابات النصفية. بحسب المسار الحالي، يرجح اكتساح الديمقراطيين الانتخابات تلك، والعودة مرة أخرى وفي قبضتهم الأغلبية في الكونجرس، وسيتعين على الجمهوريين اتخاذ قرار حول ما إذا كانوا يريدون السقوط جنبا إلى جنب مع الرئيس.
أما بالنسبة للمتشددين في مجلس الوزراء الذي تترأسه ماي، ينحصر الخيار أمامهم بين استيعاب نسخة أكثر سلاسة من البريكست، أو الانفصال عن رئيسة الوزراء مع خطر أن تُعقَد الانتخابات العامة، وينتصر حزب العمال برئاسة جيرمي كوربين. من الممكن تماما أن يتبين أن تحقيق وعود البريكزيت أمر بالغ الصعوبة، إلى درجة أنه لم يحدث فعليا، إن لم نقل إنه ليس منتظراً أن يحصل، على الإطلاق.
مع ذلك، سوف يرتكب السياسيون من التيار الرئيسي خطأ إن اعتقدوا أن الانفصال عن الشعبويين، سيتسبب في تدافع الناس للعودة مرة أخرى إلى حضن المؤسسة.
لربما يصبح الناخبون أكثر غضبا حتى من قبل - وللمفارقة، سيصبحون حتى أكثر عرضة للوعود الكاذبة التي يقدمها الديماغوجيون.
المجال الذي استطاع فيه ترمب وجونسون والبقية تحقيق النجاح، هو التدمير الوحشي لمفهوم الحقيقة الموضوعية، ولعله مفهوم: الحقائق البديلة.
سوف تستعيد الأحزاب الوسطية الدعم، عندما تفصل الزعماء الشعبويين عن مؤيديهم - عندما تدرك أن الذين يصوتون لصالح المتطرفين ليسوا عموما "الأشخاص البائسين" الذين وصفتهم هيلاري كلينتون.
كثير من الذين دعموا ترمب ومسألة البريكست لديهم مظالم حقيقية - اقتصادية واجتماعية وثقافية، ليس من الصواب تجاهلها بحال، واختزالها في البؤس واليأس، الُسلّم إلى الشعبوية.
تمثل عودة النمو فرصة سانحة لرسم مسار بديل للمستضعفين في المجتمع. ينبغي نبش المفاهيم المهملة منذ وقت طويل، خاصة تلك المتعلقة بالضرائب التصاعدية وسياسة المنافسة الفعالة والعدالة الاجتماعية. لا شك أن الذين أصبحوا يقدسون الأسواق المتحررة من القيود سوف يعترضون بقوة، فيما كان ينبغي عليهم التعلم من أن فرط الليبرالية في إجماع واشنطن هو مسار محدد للشعبوية السياسية.
ثم ما هو وجه الاعتراض أصلا على اقتصاد ذي اتجاهات سوق اجتماعية؟
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES