ثقافة وفنون

منصات التوقيع .. جماهيرية «الفزعة» لا تؤنس وحشة الكتاب

لم يكن منع الشاعر الكويتي الشاب شريان الديحاني من مواصلة توقيع كتابه في معرض جدة الدولي للكتاب سوى بوابة لفتح مزيد من التساؤلات حول جدوى حفلات التوقيع، فالشاعر الذي مُنع وسط حشد كبير من جمهوره، طرح تساؤلاً عن جدوى هذه الحفلات، وعما إذا كانت حراكا ثقافيا حقيقيا، أم مجرد نفاق اجتماعي وظاهرة "هزيلة" للترويج للكتاب.

لا توضيح رسميا

"الاقتصادية" تواصلت مع إدارة الإعلام والمعلومات وعدد من مسؤولي المعرض، لكن مصدرا، فضّل عدم الإفصاح عن اسمه، أكد أن اسم الشاعر الكويتي لم يكن مدرجاً على قوائم المؤلفين الذين سيوقعون أسماءهم، إضافة إلى أن حضوره كان قد سبب إرباكاً للمعرض، وأدى إلى تجمع الحشود حوله، وإعاقة الحركة، فضلاً عن عدم تسجيل الشاعر الجماهيري في قوائم توقيع الكتب مسبقاً، وهو ما لم يتم تأكيده بشكل رسمي من إدارة معرض جدة.
الديحاني لم يكتفِ بمنعه من التوقيع، بل يواصل توقيع ديوانه في شارع مظلم محاذٍ للمعرض، وسط ثلة من المؤيدين وآخرين رافضين لهذه الفكرة جملة وتفصيلاً.

تسويق أم ترويج فاشل؟

نقاد ومثقفون سعوديون أكدوا تعليقاً على هذه الحادثة، أم أن الأمر لا يستدعي كل هذه البلبلة، فحفلات توقيع الكتب تقليد عالمي أنيق لتسويق الكتاب، لكن المعارض العربية فتحت هذا الباب على مصراعيه، ومكنت الجميع من إقامة حفلات توقيع، رغم أن حضور بعض الحفلات لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
وقالوا "إن الحشود التي جاءت من أجل الشاعر الكويتي سلطت الضوء على حراك ثقافي خلاق، وأكدت وجود متذوقين للثقافة، خصوصاً تلك القادمة من دول أخرى".
بدورهم، شن مغردون على موقع تويتر هجوماً على حفلات التوقيع، وقالوا "إن معرض جدة الدولي للكتاب منح عشرات الكتاب حفلات توقيع على اختلاف أهدافهم ومشاربهم، وذلك بشكل مثير للسخرية، على حد تعبيرهم، وقالوا "إن هذه الحفلات في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية متاحة لمشاهير الكتاب فقط، وليس الكتاب المبتدئين، أو أولئك الذين يجمعون تغريداتهم بين دفتي كتاب".

أفكار تطويرية

مغردون كانوا أكثر موضوعية من غيرهم، حينما قدحوا زناد أفكارهم التطويرية من أجل بلورة فكرة حفلات التوقيع، وقالوا "إن حفلات التوقيع للموهوبين والمبدعين الشباب أمر طيب، لكن الزج بهؤلاء الشباب في معارض دولية، في أول تجربة تواصل مباشر بين الكاتب والجمهور، تبدو فكرة غير جيدة؛ فالكاتب المبتدئ يجب أن يعرض إنتاجه في النوادي الأدبية، ومعارض الكتاب الجامعية أو المناطقية، وبعد أن يقيس ردود الفعل ينتقل إلى مرحلة التوقيع أمام جمهور المعارض الدولية العريقة، مثل معرض الرياض الدولي للكتاب".

فزعة مزيفة

لا شك أن حفلات التوقيع تقرّب المسافة بين المؤلف، شاعراً كان أم روائياً أو أكاديميا صاحب إنتاج معرفي وعلمي، وتفتح نافذة مباشرة بينهم وبين الجمهور، لكن ما تكشفه الحقائق غير ذلك، فمن الملاحظ خلال السنوات الأخيرة أن الكاتب يدعو زملاء عمله وأصدقاءه وأقاربه عبر رسائل "الواتساب"، أو حتى الدعوة الشفهية المباشرة، ويستعطفهم ويستجديهم من أجل "فزعة"، ليبدو أمام زملائه الكتاب بشكل مميز، ومن أولئك الذين تحتشد الجماهير من أجلهم.
التجربة العالمية تكشف تقاليد عريقة في توقيع الكتب، إذ تحتشد طوابير طويلة من أجل الحصول على نسخة للكتاب ممهورة بتوقيع مؤلف الكتاب، في حين تكشف التجارب العربية عن توزيع الكاتب منتجه "مجاناً"، دون أن يحرك ذلك شيئاً من شعور الزوار نحو الكتاب ومؤلفه.
بداية التجربة العالمية كانت في أوروبا قبل نصف قرن، ثم انتقل تقليد حفلات توقيع الكتب إلى مصر، بسبب الحراك الثقافي المميز الذي شهدته قبل أربعة عقود، لينتقل هذا التقليد الشهير إلى العراق ولبنان وعدد من الدول العربية.
في المقابل؛ فإن التجربة السعودية في هذه الحفلات لم تختمر؛ فعمر حفلات التوقيع لا يتجاوز تسعة أو عشرة أعوام، تحتاج التجربة إلى مزيد من الخبرات العالمية، وهو ما يتوقع أن تقوم به الهيئة العامة للثقافة، التي ستنطلق بقوة في العام 2018م بحسب ما أبلغت مصادر خاصة "الاقتصادية"، إذ تعمل على إقرار استراتيجيتها ورؤيتها ومهامها، وتعمل على استقطاب نخبة الخبرات السعودية، لوضع ثقافة الوطن في المكان الذي يليق بها.

300 حفلة

300 حفلة ونيف شهدها معرض الرياض الدولي للكتاب العام الماضي، كان حضورها "مخجلا" بحسب ما لمسته "الاقتصادية"، إذ تكشف عن ظاهرة "تردٍ ثقافي"، وتدفع نحو ابتكار آليات جديدة لحفلات التوقيع والترويج للكتب، حيث لم تنل حفلات التوقيع اهتماماً يذكر، سوى لبعض الكتاب المشاهير.
توحي كلمة "حفل توقيع" بالبهجة، لكن ما تشهده بعض الحفلات يعد مأتماً، لقلة الحضور، وعدم جدوى الحفلة، التي قد تصل بكتّاب شباب تملؤهم الحماسة إلى عدم تكرار التجربة المريرة مرة أخرى.
ووسط هذا كله، تتجه الأنظار إلى معرضي الرياض وجدة الدوليين لتقليل عدد حفلات التوقيع، ووضع آلية لـ "غربلة" طلبات توقيع الكتب، أو حتى جعل هذه الحفلات في مكان منفصل تقليلاً للازدحام، واستثمار مساحة المنصات ومنحها لدور نشر، فضلا عن وضع آلية ومعايير لقبول هذه الطلبات، بما يتوافق مع الآليات العالمية المتبعة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون