الميزانية السعودية .. تحاكي الغد

|

صنعت الميزانية العامة السعودية لعام 2018 تاريخا في نطاقها من عدة زوايا، وحملت معها مؤشرات للمستقبل القريب، جنباً إلى جنب حقائق الحاضر. بعض ما جاء فيها كان متوقعاً، بحكم المسار الاقتصادي العام للبلاد، والبعض الآخر كان جديدا بما يتماشى مع آليات ومتطلبات "رؤية المملكة 2030" وبرنامج التحول المصاحب لها. إنها ميزانية تضع خطوطا على شكل علامات طريق في مسار بناء الاقتصاد الوطني السعودي الجديد. الاقتصاد الكلي الذي تحتاج إليه المملكة، وتعمل على إيجاده بأعلى معايير الجودة، سواء من ناحية الرؤى والتخطيط والافكار، أو من جهة التنفيذ. وعملية التنفيذ "كما هو معروف" تبقى المحور الرئيس لأي شيء، بصرف النظر عن جودة المخططات المطروحة. بمعنى آخر. فكم انهارت مخططات من سوء تنفيذها.
عملية التنفيذ للبناء الاقتصادي التي تجري في المملكة، أثبتت فاعليتها، من خلال مؤشرات عديدة، لعل أبرزها، استكمال مشاريع قبل موعدها. ومثل هذه النقطة "وغيرها" يرتبط بصورة مباشرة بالموازنات العامة التي ستطرح لاحقاً. فإذا كانت المشاريع مكتملة الأركان والتنفيذ، كانت الميزانيات متفاعلة معها، وفي ضوئها تضع أرقامها وتوقعاتها الاقتصادية المستقبلية. ومن هنا، على سبيل المثال، يمكن النظر إلى أن النفط شكل 50 في المائة فقط من ميزانية السعودية لعام 2018، وهي نسبة كبيرة جدا، إذا ما قورنت بالفترة الزمنية التي انطلقت فيها عملية التنمية التاريخية في البلاد. هناك 50 في المائة الأخرى جاءت من مصادر دخل متنوعة، وهذه المصادر هي في الواقع المحور الرئيس أيضاً لـ "رؤية المملكة". هذا التحول يشير بوضوح إلى أن مسار التنويع الاقتصادي يمضي قدماً بصورة قوية وسريعة أيضاً. ما يعني "بالطبع" أن الإجراءات والتشريعات والمشاريع التي طرحتها المملكة بهذا الصدد ساعدت على تحقيق هذه النتائج، مع ضرورة الإشارة هنا إلى الأهمية الكبيرة جدا التي تعلقها السلطات المختصة على دور القطاع الخاص الوطني، في التنمية والبناء الاقتصادي. وهذه الأهمية تختص بمشاركة رأس المال الوطني إلى جانب دور هذا المال في مسألة تشغيل السعوديين وتأهيلهم، ضمن النطاق العام الهادف إلى التخلص من البطالة إلى الأبد. والقطاع الخاص السعودي منخرط منذ عقود في كل القطاعات غير النفطية، ولا شك أن مساهماته المتصاعدة ستعزز بشكل مباشر عملية تنويع مصادر الدخل، وتحقيق هدف التشغيل الوطني.
ميزانية عام 2018 كانت تاريخية أيضا وأيضا، في أنها تضمنت أكبر إنفاق في تاريخ البلاد وصل إلى 978 مليار ريال. الأهم هنا لا يكمن فقط في حجم الإنفاق، لكن في الآليات الجديدة له. أي أن كل ريال ينفق سينفق بكفاءة عالية، وبما يتماشى مع مسار البناء الاقتصادي المشار إليه. لكن يكون إنفاقا استهلاكيا "مثلاً"، بل سيكون إنفاقا تنمويا، يضع مصلحة الوطن والمواطن في المقدمة. وهذا ما يفسر في الواقع حصول قطاع التعليم على النصيب الأكبر من الأموال المخصصة ضمن الميزانية. والتعليم ركن أساسي للحكومة السعودية، ويدخل في قلب عملية التنمية، بما في ذلك مشاريع وبرامج التدريب والتأهيل في مجالات مختلفة، بينها المجال التقني والإلكتروني المتنامي. و"الإنفاق التنموي" – إن جاز الوصف - في هذه الميزانية ظهر أيضاً من حصول "حساب المواطن" على 32 مليار ريال. وهناك كثير من مجالات الإنفاق المشابهة التي تدعم حقيقة التنمية أكثر من الاستهلاك. كل بند في هذه الميزانية يدخل في سياق الاستراتيجية العام للبلاد، وميزانيات الأعوام المقبلة ستتبع هذا النمط المتطور إلى أن تتحقق كل الأهداف. هناك كثير من المداخيل الوطنية المقبلة على الساحة السعودية لا علاقة لها بالإنتاج النفطي، وفي مقدمتها بالطبع رسوم الخدمات والتأشيرات الجديدة، إلى جانب الرسوم الخاصة بالوافدين العاملين في البلاد، ناهيك عن عوائد ضريبة القيمة المضافة التي ستفرض اعتبارا من مطلع العام المقبل وتصل إلى 5 في المائة. وهذه ضريبة ليست سعودية فقط بل خليجية ايضا. لا تزال السعودية تحتل المركز الأول عربيا والرابع عالميا في قائمة الدول الأقل مديونية، وهذا يعزز في الواقع المسار الاقتصادي العام. والعجز الذي تضمنته ميزانية عام 2018 كان متوقعا فضلا عن أنه خاضع للسيطرة الكاملة، من خلال البرامج الهادفة إلى خفضه بصورة تدريجية ومتجانسة مع الحراك الاقتصادي العام. والذي يدعم ذلك هو انخفاض العجز بنسبة 25 في المائة عما كان عليه العام الماضي. فكل شيء تحت السيطرة في المملكة، ويدخل ضمن مخططات واضحة الأهداف والنتائج. وعلى هذا الأساس لا يشكل العجز الأخير عائقاً. ستكون هناك توجهات متجددة وفق الاستراتيجية التي يجري تنفيذها بأعلى معايير الجودة. لقد استطاعت المملكة أن تخطو خطوات واسعة على صعيد التنمية في عز تراجع أسعار النفط الذي كان يمثل المحور الرئيس لعوائدها، فكيف الحال وهي تمتلك الآن واحدا من أكبر وأكثر المخططات الاقتصادية نجاعة، بحسب مؤسسات اقتصادية عالمية كبرى متنوعة. والسعودية تمضي قدما في واحدة من أكبر العمليات قاطبة ضد الفساد المحلي. ما زاد من الثقة العالمية بمكانتها، ودفع حكومات في بلدان متقدمة للإشادة بهذه العمليات التي تصب كلها في مصلحة البناء الاقتصادي. وكل ذلك ينعكس مباشرة بصورة إيجابية على الميزانيات العامة للبلاد. فالساحة باتت مفتوحة لكل من يريد المساهمة حقا في البناء للحاضر والمستقبل.

إنشرها