صندوق ماء

|

يرى أحد زملائي أنه حقق هذا العام الذي شارف على الانتهاء ما لم يحققه في السنوات التي خلت. فقد أحرز كثيرا من النجاحات على الأصعدة كافة. واعتبر أن أكبر إنجازاته مبادرة صغيرة قام بها بعفوية منتصف العام صنعت له سعادة متجددة. تكمن هذه المبادرة في شرائه صندوق مياه صغيرا لا تتجاوز قيمته 20 ريالا وتقديمه إلى حارس الأمن في الشركة التي يعمل بها. يشير محمد إلى اعتياده شهريا شراء صندوقي مياه يضعهما في مكتبه لترويه وزميله لمدة شهر تقريبا. وقرر في إحدى المرات أن يضيف إليهما صندوقا ثالثا يمنحه لحارس الأمن الذي يستقبله ويودعه بلطف كل يوم. يتذكر محمد المشاعر الدافئة التي عبر عنها الحارس فور أن قدم له الصندوق الصغير. استقبله بحفاوة ودعوة سخية مرددا "وفقك الله دنيا وآخرة". ولم يكتف الحارس بذلك، بل أخذ يرفع له علبة الماء وهو مبتسم كلما رآه داخلا وخارجا تعبيرا عن امتنانه للفتته الراقية. دفعت ردة الفعل الإيجابية زميلي إلى تكرار هذه المبادرة شهريا. فهو يجزم أن سعادته الشهرية تفوق سعادة الحارس بمراحل. وكما أخبرني محمد عن تجربته التلقائية أخبر بقية الزملاء الذين هنأوه على الفكرة واستوحوا منها أفكارا مبتكرة. فأحدهم ابتاع سترة لعامل الكافتيريا في الشركة وآخر قام بتغيير السجاد في المصلى. أما ثالثهم فقد اشترى كتبا ووضعها على مكاتب بعض الزملاء.
يعتقد محمد أن العدوى التي أصابت زملاءه جراء الصندوق الصغير الذي أهداه لحارس الأمن جعلته يشعر أن هذا العام هو أحد أكثر سنوات حياته فعالية وإنتاجا. يقول: "تحسنت نفسيتي كثيرا. وانعكست معنوياتي على أدائي. العطاء يولد العطاء".
ما نمنحه للآخرين يعود إلينا أضعافا مضاعفة. فالعطاء كالعطر يسعدك قبل غيرك. ينساب إلى أعماقك فيبعث في داخلك سعادة لا تغفو.
تذكر يا صديقي أنك سترحل عن وظيفتك أو مكانك بل سترحل يوما ما عن هذه الدنيا ولن يتبقى لك سوى الأثر الذي تركته. فاترك أثرا كالعطر. تغادر ويظل يذكرك الآخرون كلما استنشقوا عطرا كعطرك.
لا نحتاج إلى كثير لنترك بصمة. قليل قد يصنع الفارق.

إنشرها