المملكة في مرحلة اقتصادية جديدة

|


مع إعلان الميزانية العامة للدولة للعام المالي 2018، فإنه يمكنني القول وبكل ثقة إن المملكة تمر بمرحلة اقتصادية جديدة تماما، بالطبع سيكون علينا: اقتصاديين متابعة التأثيرات العامة التي ستنتج خلال هذا العام، فالتأثيرات ستكون عميقة ومغيرة لوقائع كثيرة، سأناقش هنا بعض هذه التأثيرات، وسيكون العام في مجمله مجالا للنقاش والحوار، وسأبدأ هنا بجانب الإيرادات الذي ضم ولأول مرة إيرادات ضريبية جديدة، وهي القيمة المضافة، بالطبع فإن أكبر التحديات التي سنواجهها في هذه المرحلة الاقتصادية هو القدرة على تحصيل هذا النوع من الضرائب، فهي متقدمة بشكل كبير، وما زالت تجربتنا في التحصيل الضريبي متواضعة، فعلى الرغم من أن ضريبة القيمة المضافة تتسم بقدرتها على تقليل التهرب الضريبي إلى حد كبير، ومع ذلك فإن مهارات محصلي الضرائب هي المحك الأساس في هذه التجربة. المعرفة العامة بهذه الضريبة وأهميتها ما زالت دون المستوى المطلوب، لقد راهنا كثيرا على قدرة المجتمع على استيعاب هذه الضريبة وتحمل تأثيراتها المباشرة والأولية، وبرغم ذلك فإنه من المتوقع أن تتأثر القرارات الاقتصادية للمستهلكين بشكل واضح في بدايات التطبيق، وهذه قد تحتاج إلى معالجة أولا بأول من حديث التحفيز، ومن حيث دارسة الإعفاءات مرة أخرى، الآثار الاقتصادية للضريبة معلومة اقتصاديا، ولكن من المعول عليه لدينا أن سعر الضريبة معقول نوعا ما، ومع ذلك فإن استغلال بعض ضعفاء النفوس لرفع الأسعار بهذه الحجة متوقعة، وقد جاء قرار إنشاء فريق مراقبة الأسعار في وقته تماما، ومع ذلك فإن هذا الأثر متوقع تماما، فالضريبة ذات أثر تراكمي على الأسعار، وهذا حتمي.
من التحولات الرئيسة التي شهدتها الميزانية العامة هو التحول من نموذج الميزانية الرقابية البسيطة إلى نوع أكثر تعقيدا لكننا لم نصل بعد إلى نماذج حديثة، وهذه الخطوة صعبة جدا، والتحول من الأساس النقدي إلى أساس الاستحقاق سيؤثر حتما وبشكل واضح في الحجم الحقيقي للإيرادات وللمصروفات، والعجز وحجم الدين العام، وستكون قدرتنا على التنبؤ هنا محل مراقبة، فتطبيق أساس الاستحقاق في المحاسبة عن الأموال Fund accounting يحتاج إلى بنية متكاملة من تدفق البيانات، وضبط التكلفة للخدمة الحكومية والتخصيص الدقيق للفترات المحاسبية. وهنا أشير إلى مشكلة العهد ومشكلة الأمانات المتراكمة في الحسابات الحكومية ولم يتم معالجتها تماما حتى الآن، بل هناك غض الطرف عنها، ومع تطبيق الاستحقاقات فإن هذه المشكلة قد تتفاقم في اعتقادي.
من الواضح جدا أن سياسة المملكة المالية ستركز على مسارين هما تطوير الإيرادات غير النفطية، ورفع كفاءة الإنفاق، وبرغم أن الميزانية العامة تضمنت تفاؤلا واضحا بشأن الإيرادات غير النفطية، لكن من المهم القول أيضا إن الاقتصاد السعودي لم يزل يعتمد على القدرة الشرائية للقطاع الحكومي، وهنا تظهر مشكلة الدورة في الإيرادات، فالقطاع الخاص الذي يعتمد في دخله على القدرة الشرائية الحكومية أو موظفي الحكومية، هو الذي سيكون المصدر الرئيس للإيردات غير النفطية للميزانية، فإذا لم يحقق القطاع الخاص اختراقا واضحا في تطوير مصادر إيراداته، فإن اعتماد الاقتصاد السعودي في وضعه الكلي على النفط أمر لا مفر منه، ويجب ألا تخدعنا الإيرادات غير النفطية في الميزانية، ومع ذلك فإن تطوير قدرتنا هنا سيمكننا من تعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية من العملات الأجنبية، ويجب أن يتم استغلالها بطريقة صحيحة. هنا تظهر أهمية الخطة الموضوعة لتعزيز الإيرادات غير النفطية من حيث تطوير قدرات الصندوق السيادي للمملكة "صندوق الاستثمارات العامة"، لكن هذا سيضعنا في نفس الدائرة الأصلية للاقتصاد السعودي الموجه والمعتمد بشكل رئيس على أداء الحكومة، وتطوير قدراتها على الشراء، وهنا أعود لأؤكد أنه لا بد من قيادة القطاع الخاص لتحقيق اختراق حقيقي في الاقتصاد السعودي، وبرنامج دعم الصادرات واعد، لكن كنت أتمنى تطوير قدراتنا الصناعية الاسترايجية، التي تكتشف وتستثمر ميزاتنا التنافسية.
رفع كفاءة الإنفاق الحكومي يرتبط أساسا بوضع مؤشرات للإنفاق على كل عنصر من عناصر تكلفة الخدمة الحكومية، وهذا يرتبط مرة أخرى بقدرتنا على توفير معلومات كافية وقدرة النظام المحاسبي على توفير هذه البيانات، هناك جهود واضحة في موضوع ضبط التكلفة لكنها في نظري حتى الآن ــ رغم نقص المعلومات المتوافرة لدي ــ ترتكز على اعتماد المشاريع وفقا للجدوى الاقتصادية لها، بحيث لا يتم الصرف على مشاريع لم تثبت جدواها، أو عادة ترتيب المشروعات في المملكة وفقا للجدوى الاقتصادية منها، بحيث يتم الصرف على الأعلى منها، وهذه خطوة جيدة، ولكن مشكلتنا في الإنفاق لا تقتصر على المشاريع، بل على تشغيل الخدمة الحكومية نفسها، هناك هدر واضح خاصة في تلك الجهات التي نشعر بأنها تحقق أهدافها، فنحن بين مطرقة المطالبة المجتمعية بتحسين الخدمة وتحقيق الهدف وسندان رغبة المسؤول في مواكبة هذه التطلعات دون مراقبة حقيقية لحجم الموارد التي استهلكها، فنرى كثيرا من الهدر في سبيل تحقيق رضى الجمهور، وهذه التي أسميها مصيبة استراتيجية بطاقة الأداء المتوازن في الجهاز الحكومي في المملكة، التي جاء بها موظفو القطاع الخاص الذين تم استقطابهم في الجهاز الحكومي.

إنشرها