ميزانية تحول الاقتصاد الوطني 2018 - 2020

|

جاءت الموازنة العامة للدولة للعام المالي القادم 2018 كما كان متوقعا لها أن تأتي توسعية استهدافا للمحافظة على النمو الاقتصادي المحلي، بحجم إنفاق حكومي هو الأعلى في تاريخ الاقتصاد السعودي، عند مستوى 978 مليار ريال، مقابل توقع إيرادات حكومية تفوق 783 مليار ريال، بافتراض وجود عجز مالي يقدر أن يصل إلى 195 مليار ريال.
اختارت الموازنة الحكومية عدداَ من الخيارات الاستراتيجية المهمة، أولا: المحافظة على استقرار الأداء الاقتصادي والنمو المستدام، وهو ما سيأتي تحليله لاحقا بشكل أوسع، وثانيا: الاستمرار أيضا في تنويع مصادر الدخل الحكومي، بناء على اعتماد عديد من خيارات الإيرادات غير النفطية محليا، عبر إقرار الرسوم والضرائب على عديد من الخدمات والسلع، مقابل إضافة تحفيزات مالية بشكل مستمر للاقتصاد "القطاع الخاص" والأسر والأفراد.
لقد عكست المؤشرات الأخيرة للميزانية، قدرة المالية العامة على ضبط حدود العجز المالي، والسيطرة عليه وعدم انفراطه بالتركيز أولا على ترشيد الإنفاق الحكومي في جانبيه الجاري والرأسمالي، ودون التأثير على النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، لما يمثله الإنفاق الحكومي حتى تاريخه من دور بارز في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، والعمل على تحقيق التنمية الشاملة المستدامة للاقتصاد والمجتمع، وهو الدور الجاري العمل على تخفيف الاعتماد عليه مستقبلا، والعمل عوضا عنه على زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني. كما تمكنت السياسة المالية العامة من تنشيط متحصلات الإيرادات الحكومية غير النفطية بمعدل مقبول، ودون الإضرار بمقدرات الاقتصاد الوطني، وتحديدا القطاع الخاص والمجتمع، لهذا لم يتجاوز معدل نموها السنوي سقف 9 في المائة، إلا أن هدف الاستمرار في رفع متحصلات ذلك البند من الإيرادات يظل هدفا لا يمكن التراجع عنه بأي حال من الأحوال، وسيظل تحقيقه متناميا بالموازاة مع ارتفاع قدرات القطاع الخاص، وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني، وهو الأمر المرتبط بكل تأكيد بنجاح بقية السياسات الاقتصادية الأخرى، وعملها الدؤوب على تعزيز وتنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وزيادة التشغيل والإنتاج بالتزامن مع محاربة كل أشكال الاحتكار والاكتناز والتستر التجاري.
تبادل الأدوار بين الميزانية والاقتصاد الوطني
سبق الإشارة في أكثر من مقال ومقام سابق حول أهمية وضرورة الإصلاحات الاقتصادية الراهنة وأنها الإجراءات والسياسات الاقتصادية التي لابد من العمل على تنفيذها، بهدف الوصول المتدرج إلى تحرير الاقتصاد الوطني وتنويع قاعدته الإنتاجية، والعمل على انتقاله من الاعتماد المفرط والمعمم على سياسات التحفيز والدعم الحكومي، إلى بيئة أعلى إنتاجية وتنافسية. آخذا بعين الاعتبار؛ أن تلك الإجراءات الإصلاحية قد تترك خلفها آثارا عكسية على الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، أظهرت النتائج الأخيرة لتقارير الهيئة العامة للإحصاء تأكد حدوثه مع تراجع معدل النمو الاقتصادي الحقيقي، وارتفاع معدل البطالة، إضافة إلى سلبية معدل التضخم، التي يتوقع أن تتسارع صعودا بعد تطبيق إصلاح أسعار استهلاك الطاقة محليا، إضافة إلى بدء تطبيق ضريبة القيمة المضافة من مطلع العام المالي القادم. خاصة أن تنفيذ تلك الإصلاحات اللازمة سيأتي خلال فترة زمنية وجيزة جدا، مقارنة بنحو نصف قرن مضى على الوتيرة التي اعتاد اقتصادنا العمل عليها، الأمر الآخر أن تلك التحولات ستشهد تدخلا حكوميا أدنى بكثير مما اعتاد عليه الاقتصاد سابقا، وهو الذي يمس منشآت القطاع الخاص، سواء عبر ترشيد الإنفاق الحكومي الذي ظل يلعب دورا رئيسا لا يستهان به في الاقتصاد الوطني طوال العقود الخمسة الماضية، أو عبر السحب التدريجي خلال فترة قصيرة لمختلف أوجه الدعم والتحفيز، وتزداد وطأة المتغيرات الراهنة والمستقبلية، أنه عوضا عن كل ذلك "الدعم الحكومي"، ستتحول الكفة إلى زيادة اعتماد الإنفاق الحكومي على العائدات المحصلة من القطاع الخاص، وهو على العكس تماما من العلاقة طويلة الأجل التي كانت قائمة بين الحكومة والقطاع الخاص.
ومن المتوقع أن نشهد مزيدا من الضغوط الاقتصادية تفوق أو تماثل ما نشهده في الوقت الراهن، والتأكيد على ألا تثنينا عن المضي قدما في طريق الإصلاح الاقتصادي الراهن، وأن الخيارات الأخرى المتاحة، التي يمكن لها أن تسهم في تخفيف تلك الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة الاعتماد على توسيع العمل بها وتكثيفه متى اقتضت الحاجة لذلك، لعل من أهم تلك الخيارات ما يرتبط أولا بتحسين كفاءة حساب المواطن، الذي يستهدف تقديم الدعم النقدي الشهري والمباشر لأفراد المجتمع المستحقين وفقا ما أعلن، بهدف امتصاص الآثار التضخمية المتوقعة والمذكورة أعلاه. وثانيا زيادة زخم دعم منشآت القطاع الخاص خلال الفترة القادمة المتزامنة مع تنفيذ إصلاحات الاقتصاد، التي تم تخصيص مواردها بنحو 200 مليار ريال حسبما أعلنت وزارة المالية مطلع العام المالي الجاري. وعلى يؤمل فعليا نجاح تلك الإجراءات الهادفة لتخفيف الضغوط على كل من الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، والمساهمة في امتصاص أكبر قدر ممكن من الآثار العكسية المحتملة، إلا أنه يجدر الاهتمام والتفكير بزيادتهما متى تطلب الأمر.
لابد أن نكون على أهبة الاستعداد لمزيد من ارتفاع محتمل في معدلات البطالة والتضخم، قد تتزامن مع تراجع محتمل في معدلات النمو الاقتصادي التي يحتمل أن تحدث خلال فترة الأعوام القليلة القادمة، وهي احتمالات يؤمل أن تأتي في أدنى المستويات، مقابل الخروج بوضع اقتصادي أكثر متانة وتنوعا وقوة في نهاية عمر تلك الإصلاحات الاقتصادية اللازمة التحقق. كل هذا بالضرورة؛ استعداد مبكر وعالي من قبل الأجهزة كافة ذات العلاقة بتنفيذ برامج وسياسات الإصلاح الاقتصادي، وسرعة استجابة لازمة من قبلها في وقت مبكر متى دعت الضرورة لذلك، عدا أنه يتطلب قبل كل ذلك الضرورة القصوى لأخذ كل تلك التوقعات والاحتمالات بعين الاعتبار منذ تاريخه، وبذل مزيد من الدراسة والبحث والتقصي على المستويات كافة قبل اتخاذ أي إجراء في هذا السياق، وهو بالتحديد ما أشار إليه التقرير السنوي الـ53 لمؤسسة النقد العربي السعودي، وتأكيده إتمام تلك الإصلاحات الهيكلية بشكل متدرج، يستهدف المحافظة على الاستقرارين الاقتصادي والمالي، وفي الوقت ذاته يدفع بمقدرات الاقتصاد الوطني نحو مزيد من الإصلاحات والتطوير الواجب إجراؤها.
يمر الاقتصاد الوطني بتغيرات وتطورات هيكلية واسعة النطاق، وعميقة التأثير، لا شك أنها تعد الأثقل وزنا طوال تاريخ اقتصادنا، وهي التغيرات التي يؤمل عبر مختلف مساراتها المتعددة أن يتحول الاقتصاد بقطاعاته ونشاطاته الرئيسة كافة إلى مزيد من التنافسية والإنتاجية عالية الكفاءة، وزيادة طاقته الاستيعابية، وتعزيز قدرته وفرصه على مستوى تحقيق النمو المستدام والشامل باستقلالية أكبر عن تقلبات أسعار النفط، ورفع درجات مؤهلاته على مستوى إيجاد فرص كريمة للعمل، وتعزيز وتنويع قاعدته الإنتاجية، وزيادة جاذبية الاستثمار في بيئة الأعمال المحلية، وتوظيف الثروات الوطنية الهائلة في الاتجاهات المجدية محليا، في ذات الوقت الذي يؤمل أن تنحسر دوائر الاحتكار وتدوير الأموال والمضاربات العشوائية وفقا لأوضاعها السابقة، التي ألحقت كثيرا من الأضرار بالاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، وهي المكاسب التي لا مجال للتأخر عن العمل المستمر لأجل تحقيقها.

المواءمة بين متطلبات الإصلاح والنمو الاقتصادي
ركزت عديد من التقارير الاقتصادية والمالية حول الاقتصاد السعودي، على ضرورة التدرج في تنفيذ برامج الإصلاحات المستهدف تنفيذها، وأهمية أن تمنح الأسر ومنشآت القطاع الخاص وقتا أطول مما هو مخطط، لتتمكن من التكيف مع التغيرات الهيكلية في الاقتصاد، منوها إلى أهمية منجز تلك الإصلاحات وضرورة تحققها، إنما بالاعتماد على فترة أطول نسبيا مما هو مصمم. استند الصندوق في تلك الملاحظات إلى أهمية المحافظة على نمو القطاع غير النفطي، الذي يشكل القطاع الخاص فيه الحصة الأكبر، والقطاع الذي سيتم الاعتماد عليه في تمويل الميزانية الحكومية غير النفطية، والاعتماد عليه أيضا في توظيف العمالة الوطنية خلال الفترة القادمة، التي قدر تدفقاتها خلال خمسة أعوام قادمة بنحو 1.0 مليون طالب وطالبة عمل، وأهمية توسيع خيارات توظيف المرأة السعودية، لما له من أهمية في رفع مستوى الدخل بالنسبة للأسر، ودوره في رفع مستوى الإنفاق الاستهلاكي الخاص، الذي سينعكس إيجابا على النمو الاقتصادي.
لا شك أنها خيارات قد تبدو صعبة في وهلتها الأولى، إلا أنها وفقا للإمكانات والموارد المتاحة أمام الاقتصاد الوطني، ستجد آفاقا واسعة لاعتماد أنسب الخيارات المتوافقة مع أهداف برامج الإصلاح الاقتصادي المستهدف، ودون الإخلال بأي من منظومة عمل البرامج العديدة لها. العامل الأهم هنا هو التركيز على منح الاقتصاد وقتا أطول لامتصاص آثار تلك الإصلاحات والتكيف معها، وهو الأمر الممكن توفيره بالنسبة لاقتصادنا الوطني، وهو أيضا الخيار الذي سيكون له دور في المحافظة على استقرار الاقتصاد وتجنيبه التعرض لصدمات هو في غنى تام عنها، وبما لا يؤثر عليه سلبا في طريقه الطموح والطويل نحو بلوغ أهداف "رؤية 2030"، والتأكيد أن التشوهات الهيكلية التي يحاول الاقتصاد التخلص منها مستقبلا، استغرق نشوؤها عقودا طويلة من الزمن، وتقتضي مصلحة الاقتصاد أن يتم التخلص منها خلال فترة زمنية لا يجب أن تكون قصيرة جدا، قد يؤدي التسرع فيها إلى إلحاق أضرار أكبر مما لو تركت على وضعها، ولهذا اتسم عمل فرق العمل القائمة على برامج الإصلاح الاقتصادي، بمراقبة ومتابعة تطورات وتغيرات الأداء الاقتصادي محليا، وبناء عليه تنظر تلك الفرق في آليات تنفيذ المراحل التالية للعمل، الذي سيؤدي إلى تحسين جودة تنفيذ السياسات والبرامج الموضوعة للإصلاح والتطوير، وهو كما يظهر حتى تاريخه من التقاء نظرة كل من صندوق النقد الدولي وفرق العمل المحلية، أن التدرج في تنفيذ الإصلاحات اللازمة يظل خيارا أنسب مقارنة بغيره من الخيارات المتاحة، وهو الخيار الذي يعني المحافظة على النجاح المستهدف لمشروع الإصلاح، وفي الوقت ذاته النجاح في المحافظة على استقرار ومكتسبات الاقتصاد الوطني، التي من أهم عوائدها توفير الأهلية الكافية للاقتصاد للتعامل بصلابة مع تحدياته الآنية أثناء فترة التحول وإعادة الهيكلة الراهنة، وحتى لا تنشأ أزمات اقتصادية أو مالية أخرى مفاجئة، قد تتطلب بذل جهود وتكاليف أعلى مما كان مخططا له، وبما قد يتسبب في تعطيل تحقق أهداف "رؤية المملكة 2030"، وهو بكل تأكيد ما لا يتمنى أحد حدوثه.
يجب أن تنصب الجهود في الوقت الراهن على ضرورة تفعيل جميع البرامج التنفيذية "للرؤية"، وألا يتأخر أي منها عن ركب بقية البرامج، وهو ما أكد عليه تقرير صندوق النقد الدولي الأخير، لما في ذلك من مخاطر قد تهدد نجاح بقية البرامج، وهو أمر مهم جدا لا مجال للجدال حوله، وكان من أبرز ما ذكره التقرير موضوع الرسوم على الأراضي غير المستغلة "الأراضي البيضاء"، منوها إلى أهمية الإسراع في تنفيذه وتطبيقه، الذي سينعكس إيجابا على خفض تكلفة عنصر الأرض كعنصر إنتاجي، يدخل في كل المتغيرات الأخرى، سواء على مستوى تكلفة المعيشة بالنسبة للمجتمع، أو على مستوى تكلفة الإنتاج بالنسبة لمنشآت القطاع الخاص التي سيشكل انخفاض تكلفة الأراضي عليها، وانخفاض تكلفة إيجارات العقارات أحد أهم نوافذ الدعم، ودورها في انخفاض تكلفة التشغيل والإنتاج على تلك المنشآت ما سيمنحها قدرة أكبر على امتصاص آثار المتغيرات الجديدة للتحولات الاقتصادية الهيكلية، ويمنحها قدرة على التكيف بوقت أقصر مع تلك الآثار، في الوقت ذاته سيؤدي إلى زيادة اجتذاب الاستثمارات نحو القطاع الخاص، قياسا على انخفاض المخاطر من جانب، وانخفاض تكاليف التوسع في المشاريع وتأسيسها من جانب آخر، الذي ستصب نتائجه الإيجابية دون شك في صالح القطاع الخاص، وفي صالح تعزيز ركائز النمو الاقتصادي المستدام، والمساهمة في إيجاد مزيد من فرص العمل اللازمة والملائمة أمام مئات الآلاف من الباحثين عنها، عوضا عن منحه الدعم اللازم لتلك المنشآت للمحافظة على عمالتها الوطنية لديها، وعدم الاضطرار إلى الاستغناء عنها وفصلها من أعمالها.
إن الموازنة بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والنمو المستدام أمر قابل للتحقق كما تؤكده القدرات الكافية والموارد اللازمة لدى الاقتصاد الوطني، تتطلب فقط مرونة أكبر من قبل الأجهزة القائمة على مختلف البرامج التنفيذية ذات العلاقة، وهو الأمر الذي تفوق مكاسبه بكل المقاييس ما عداه من خيارات متاحة، ويبدو أنه الخيار الذي سيتم الاعتماد عليه بمشيئة الله تعالى.

إنشرها