مسؤولية «أوبك» القادمة .. الحفاظ على الأسواق هادئة

|
أعطى اتفاق أوبك الأخير بتمديد تخفيضات الإنتاج حتى نهاية عام 2018 جرعة من الاستقرار لأسواق النفط العالمية، على النحو المنشود، لكن مجموعة المنتجين من داخل المنظمة وحلفاءهم من غير الدول الأعضاء في "أوبك" لا يستطيعون الاتكال فقط على هذا المنجز؛ حيث لا تزال سيكولوجيا أسواق النفط هشة، مع كثير من عدم اليقين بشأن العرض والطلب وعدم وجود توافق واضح في الآراء حول اتجاه الأسعار. ويبلغ صافي شراء المضاربين في العقود الآجلة لخام برنت وخام غرب تكساس الوسيط الآن أكثر من مليار برميل، معظمها في عقود الشهر الفوري. ولإبقاء الأسواق هادئة في العام المقبل، على "أوبك" الحفاظ على رسالتها الإيجابية، وتجنب مفاجآت سيئة والبقاء استباقيا، حيث إن إعادة التوازن في الأسواق في تقدم. صحيح أن الإطار الزمني لخفض الإنتاج واضح الآن، بمعنى أن المتعاملين في الأسواق لا يحتاجون إلى القلق بشأن قرارات منظمة أوبك وحلفائها غير الأعضاء في "أوبك" في أي وقت قريب، لكن أسواقا مضطربة ستجد أشياء أخرى تدعو إلى القلق، كما هو الحال مع اهتمامها الأخير بالتزام روسيا واستراتيجية الخروج من اتفاق "أوبك" لإنهاء التخفيضات. وتراوح القضايا الأخرى للعام المقبل بين عدم الالتزام الكامل بالامتثال، والنمو القوي في النفط الصخري في الولايات المتحدة، وتراجع نمو الطلب العالمي، وكلها قد تكون لها تأثيرات هبوطية، وعدم الاستقرار الجيوسياسي، وهذا قد يدفع الأسعار في أي من الاتجاهين، والمخاوف الصاعدة بشأن عدم كفاية العرض على المدى الطويل. وجميع هذه العوامل تضاف إلى الأمور التي لا يمكن التنبؤ بها عام 2018. ويبدو أن النصف الأول من العام المقبل يحمل مخاطر أقل. وتتوقع "أوبك" تباطؤ الطلب، وقد أعلنت السعودية أنها ستخفض بشكل أكبر إذا لزم الأمر. أما بالنسبة إلى الانضباط في الاتفاق، فإن عددا قليلا فقط من المنتجين يمكنهم رفع إنتاجهم، وذلك بفضل قلة الاستثمار والتراجع الطبيعي في إنتاجية الحقول منذ تراجع الأسعار عام 2014. وقد تكون المخاطر المحيطة بالتزام روسيا مبالغا فيها من الناحية العملية، حيث إن تخفيضها البالغ 300 ألف برميل في اليوم كان من مستوى خط الأساس الذي تضخم مؤقتا بهذا القدر، لكن تفكك تحالف منظمة أوبك مع المنتجين غير الأعضاء في "أوبك"، الذي قد يكون ربما ناجما عن تحالف روسي - سعودي ناشئ، ستظل له قيمة رمزية كبيرة. وبحلول الربع الثالث من العام المقبل، يجب أن تكون الأمور أكثر إثارة للاهتمام. وتراهن منظمة أوبك على أن الطلب سيرتفع بشكل حاد، كما فعل هذا العام، ولكن هذا غير مضمون. ويمكن أن يثير إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة المخاوف في أي وقت إذا قررت الأسواق أنه يتسارع بسرعة كبيرة جدا، وهذا التصور هو الذي عكر الأسعار في وقت سابق من هذا العام. وتتوقع منظمة أوبك أن يصل إنتاج الدول غير الأعضاء إلى 870 ألف برميل يوميا في العام المقبل، بما في ذلك سوائل الغاز الطبيعي، حيث تمثل الولايات المتحدة كل الزيادة الصافية. ولكن هذه التنبؤات غير موثوقة على نطاق واسع، وقد قللت "أوبك" من قدر إنتاج الدول غير الأعضاء هذا العام بأكثر من مليون برميل يوميا. التطور السريع لموارد النفط الصخري يعني أيضا أن الأداء السابق يقدم تصورا محدودا للمستقبل، في حين أن توسعه في العام المقبل سيُحدد بمتطلبات المستثمرين الجدد في الحصول على عائدات بدل النمو. في هذا الجانب، يرى عديد من دور المعرفة أن النفط الصخري من المتوقع أن يضيف نحو 700 ألف برميل يوميا عند أسعار نفط بحدود 50 دولارا للبرميل، ويضيف فقط من 100 إلى 150 ألف برميل يوميا إضافية عند 60 دولارا للبرميل. ويمكن أن تضيف سوائل الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة نحو 450 ألف برميل يوميا. وفي مقابل ذلك، التوترات الجيوسياسية صعودية بشكل غريزي، ولكن يمكن أن يكون لها تأثير مغاير إذا تحسنت الظروف في ليبيا، وتوصلت الحكومة المركزية في بغداد والأكراد إلى اتفاق بشأن الصادرات من شمال العراق، أو أن التوترات داخل "أوبك" تقوض اتفاق المنظمة. وقد تشهد فنزويلا التي تضررت من الأزمة انخفاضا في الإنتاج بمقدار 850 ألف برميل يوميا خلال العامين المقبلين في حالة عدم سداد الديون بالكامل أو بمقدار 400 ألف برميل يوميا إذا استمر الوضع الحالي. مع هذا المزيج المربك من المتغيرات، ينقسم المحللون حول ما إذا كانت أزمة العرض تلوح في الأفق بعد ثلاث سنوات من ركود الإنفاق في المشاريع الاستخراجية. وبينما تتساءل الأسواق بالفعل عن كيفية خروج "أوبك" من اتفاقية الإنتاج، فإن السؤال الأكبر هو ما سيتبعها، وما إذا كانت المملكة تستطيع صياغة نهج متماسك يخفف الصفقة المخصصة للعام الماضي في عالم من الاستجابة السريعة لإنتاج النفط الصخري. ولا تريد المملكة من منظمة أوبك العودة إلى الإدارة الدقيقة للسوق أو وضع نطاقات أو أهداف سعرية، حتى إن أمكن ذلك، وقد حددت رؤية لمجموعة موسعة من المنتجين تستجيب للأزمات قصيرة الأجل مثل الأزمات الاقتصادية والركود. وهناك نوع من الاتفاق على الشروط من شأنه أن يبرر التدخل في المستقبل، وعلى روسيا مواصلة التعاون، هذا التعاون سيكون إشارة مهمة للاستقرار إلى ما بعد عام 2018.
إنشرها