ميزانية التحفيز

|
تم الإعلان عن موازنة سنة 2018 لتكشف عن أكبر إنفاق حكومي، ليصل الإنفاق عند 978 مليار ريال، وارتفاع تقدير الإيرادات إلى 783 مليار ريال وعجز بحدود 195 مليارا، مع نشر أرقام تفصيلية وتحليل جيد للاقتصاد والتوقعات على المدى المتوسط حتى عام 2020، وكما يتضح فقد جاءت الموازنة بهذا الإنفاق العالي في وقت حساس ولتعكس المرونة والاستجابة لدى الحكومة لمعالجة وضع الاقتصاد، الذي دخل في حالة انكماش كما ذكرت وثيقة بيان الميزانية مع نمو سلبي للتضخم، حيث تتوقع وزارة الاقتصاد أن يحقق الناتج المحلى نموا سلبيا بنحو 0.5 في المائة لعام 2017، وأن يحقق المؤشر القياسي لتكلفة المعيشة "التضخم" نموا سلبيا بمعدل 0.1 في المائة، كذلك انعكس انخفاض الإنفاق الحكومي خصوصا في الأشهر التسعة الأولى من السنة على العرض النقدي الأوسع "ن3" لينخفض بمقدار 0.6 في المائة عن السنة الماضية وانخفض الائتمان الممنوح للقطاع الخاص بمقدار 1.5 في المائة، كل هذه الأرقام والمؤشرات إلى جانب عدد آخر مهم جدا مثل البطالة، وتدفق الاستثمارات الأجنبية وغيرها هي المقياس الحقيقي لوضع الاقتصاد وهي التي يجب بناء القرارات عليها ومتابعتها في الوقت نفسه، وهي ما سبق التنويه عنه في مقال سابق في شهر نيسان (أبريل) من هذه السنة بعنوان "ماذا تقول لنا المؤشرات الاقتصادية؟" تطرقت إلى أهمية متابعة المؤشرات الاقتصادية، التي كانت تعطي إشارات لتوجه الاقتصاد نحو ركود واضح وهو عكس ما تهدف إليه "رؤية المملكة" ولاحقا صدر تقرير صندوق النقد الدولي، الذي أوصى بتخفيف الإجراءات الصارمة التي اتخذتها المملكة وأوصى بتحفيز الاقتصاد، وهنا نحن اليوم نرى استجابة سريعة تؤكد مرونة صانعي السياسة الاقتصادية والمالية للتغير والتعديل حسب ما تقتضيه الأوضاع، خصوصا بعد النجاح الجيد في ضبط الميزانية ورفع الإيرادات الأخرى، ما يعطي ثقة أكبر في قرار التغير والرجوع مرة أخرى نحو الإنفاق الحكومي وتحفيز الاقتصاد، ولذلك أتفق تماما مع توقعات وزارة الاقتصاد حول أرقام المؤشرات الاقتصادية للسنة المقبلة، التي تتوقع تحسنا كبيرا رائعا لكل المؤشرات وعلى رأسها نمو الناتج المحلي "النفطي وغير النفطي" الذي توقعت الوزارة أن يعود للنمو ويحقق 2.7 في المائة، ويحقق القطاع غير النفطي نموا بمقدار 3.7 في المائة، وهو ممتاز على كل المقاييس، هذا النمو مدفوع بشكل أساسي بالإنفاق الاستثماري التوسعي وببرامج الإصلاح الاقتصادية المتوقعة، ليكون تركيز النشاط في قطاعات مثل الصناعات التحويلية، التشييد والبناء، التعدين والاتصالات وغيرها. هنالك نقطة في غاية الأهمية وقد ذكرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في تصريحه، وكانت عن مجمل الإنفاق من جميع أطراف الأجهزة والمؤسسات الحكومية، التي لم تذكر في بيان المالية وأهمها صندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية الوطني، حيث إن مجموع ما سوف يصرف عن طريق هذه الصناديق هو 133 مليار ريال، وهو صرف موجه نحو الاستثمار وتحفيز الاقتصاد، وهذا بالضبط ما سبق أن تم التطرق إليه في مقال "من الذي أيقظ العملاق؟" حيث إن السياسة الجديدة في تنشيط دور الصندوق سوف تجعل منه رافدا مهما في التنمية والاستثمار المحلى، وهذا بالضبط ما ذكره ولي العهد، حيث إننا اليوم لدينا ثلاثة مصادر للإنفاق؛ الأول عن طريق المصدر التقليدي المتمثل في وزارة المالية، الثاني عن طريق صندوق التنمية والموجه للتحفيز، الثالث وهو الذي أتوقع أن يتنامى دوره ويتعاظم بشكل كبير صندوق الاستثمارات العامة، حيث إن المقدر لإنفاق صندوق الاستثمارات للسنة القادمة هو 83 مليار ريال وهو رقم كبير، خصوصا أنه يصب بالكامل في ناحية الاستثمار الرأسمالي الاستثماري وهو مركز بشكل كبير نحو تحفيز القطاع الخاص عبر مشاريعه المزمع تنفيذها السنة المقبلة. ختاما، لا شك أن إعلان ميزانية السنة المالية الجديدة جديد بكل شيء، حيث ارتفعت الشفافية وزادت التوقعات، ولأول مرة تحمل توقعات لميزانية السنتين القادمتين "2019 و2020" وهو ما يقطع التكهنات حول مستقبل الإنفاق والتوسع، وكما تميزت ميزانية 2018 بأنها حملت أعلى إنفاق حكومي وهو يؤكد مرة أخرى قدرة السعودية على الإنفاق والالتزام بتحفيز الاقتصاد مع المضي قدما نحو الإصلاحات الاقتصادية وبما يتماشى مع "الرؤية"، وهو ما أعتقد أننا سوف نلمس آثاره على الاستثمار وحركة الأسواق، خصوصا الأسواق المالية وتحسن ثقة المستهلكين بإذن الله. أخيرا أتمنى أن يتم وبشكل دوري مراجعة مستوى الارتفاع في التكاليف جراء الإصلاحات الاقتصادية ومحاولة إعادة دراسة تطبيقها ومدى مواءمة الاقتصاد لتوقيت دخولها فلا يزال في نظري القطاع الخاص غير مستعد لبعض التغيرات في التكاليف ولا يستطيع التكيف بالسرعة التي متوقع فرضها محليا.
إنشرها