ما مسؤولية «حساب المواطن»؟

|
لا خلاف على أهمية إعادة توجيه الدعم الحكومي لاستهلاك الطاقة عموما، وتركيزها فقط على من يستحقها من الأفراد والأسر، وتحديدا من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، واستبعاد من لا يستحقه من المقتدرين وغير المواطنين منه. ولا شك أن جزءا جيدا من الأسباب التي تطلبت اتخاذ التدابير والإجراءات بإصلاح أسعار استهلاك الطاقة، أصبح واضحا ومفهوما لدى غالبية الأفراد، إلا أن الجزء الأصعب "شرحا وتبريرا"؛ المتعلق بحجم الدعم المخطط دفعه نقديا إلى المستفيدين بدءا من يوم الخميس المقبل 21 كانون الأول (ديسمبر) 2017، الذي لم تتضح تفاصيله أو مقداره حتى تاريخه، وهو الجزء الأهم والأثقل وزنا لاكتمال نصاب الأمور، بما يعزز من التقدم الفعلي للبرامج التنفيذية لإصلاح الاقتصاد الوطني، الساعية إلى تحقيق أهداف برنامج "التحول 2020" و"رؤية المملكة 2030". لم يعد ممكنا استدامة الهيكلة التي كان الاقتصاد الوطني سائرا عليها طوال العقود الخمسة الماضية، والاعتماد المفرط على الإنفاق الحكومي، الذي يعتمد بدوره كثيرا على مداخيل النفط المتقلبة، ولا الاعتماد على استهلاك الموارد الناضبة للطاقة وفق آليات، ذهبت فوائدها الأكبر إلى الشرائح الأغنى والمقتدرة أو غير المواطنة، وهي التي لا تستحقه في الأصل، على حساب الشرائح المجتمعية المستهدفة بذلك الدعم منذ إقرار العمل به قبل نحو أربعة عقود زمنية أو أكثر، أظهرت تقارير عديدة منها تقارير صندوق النقد الدولي، أن حصة تلك الشرائح الأحق بالدعم الحكومي، لم تتجاوز في أفضل الحالات سقف 20 في المائة منه، فيما ذهبت النسبة الكبرى منه إلى من ليس في حاجة إليه، عوضا عن عدم استحقاقه للدعم. كل هذه الحيثيات أو الأسباب أصبحت واضحةً ومفهومةً بنسبة جيدة لدى غالبية الأفراد، إنما من الأهمية أيضا أن يكتمل الوضوح لدى الجميع، ويكتسب أكبر قدر ممكن من قناعة وفهم المجتمع فيما يختص بالجزء الأهم والمتبقي، المتعلق بحجم أو مقدار الدعم النقدي المخطط دفعه إلى الشرائح المستفيدة، ولا تقف أهميته عند هذا الحد فقط، بل تتخطاه إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، أن يأتي على القدر الكافي واللازم لضمان تحقق بقية البرامج التنفيذية للتحول والرؤية الاستراتيجية على حد سواء، وألا يتسبب عدم وفائه بالأهداف المأمولة من إقراره ــ لا قدر الله ــ في التأثير سلبا في تلك البرامج، أو في الاستقرار المعيشي لشرائح مهمة من المجتمع، ومن ثم في الاستقرار الاقتصادي بشكل عام. يتأكد مما تقدم أن مسؤولية «حساب المواطن»، لا تقف فقط عند مجرد تخفيف الأعباء المعيشية على الشرائح المحدودة والمتوسطة الدخل، نتيجة إصلاح أسعار استهلاك الطاقة، ونتيجة بدء التطبيق الفعلي لضريبة القيمة المضافة، ونتيجة بدء تطبيق الرسوم على العمالة الوافدة، وغيرها من الآثار المحتملة على ارتفاع أسعار الاستهلاك المحلي، بل إنها تتجاوز هذا الإطار المحدود الأفق لتشمل آفاقا أوسع اجتماعيا واقتصاديا وتنمويا، وهو ما يجب بكل تأكيدٍ أن يترسخ لدى القائمين على مشروع «حساب المواطن»، وأن يتم أخذه في الحسبان. ولست هنا بصدد تحديد ما يجب وما لا يجب من شروط أو اعتبارات على فريق عمل الحساب، فلا شك أن فريق العمل يدرك تماما أهمية تلك الاعتبارات على اختلاف اتجاهاتها ومستوياتها، إنما لا بد من التأكيد ونحن في مرحلة لم يتحدد بعد فيها حجم أو مقدار ذلك الدعم النقدي المخطط، على الضرورة القصوى لأخذ كامل الاحتياطات اللازمة لنجاح مشروع حساب المواطن، وهو الهدف المنشود من الجميع دون أدنى شك، وأن يرتقي عمليا إلى الوفاء بحجم المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه، التي تأكد أنها مسؤولية تتجاوز مجرد توفير حزام الأمان الاجتماعي والاقتصادي للشرائح المجتمعية المستهدفة به، إلى ضرورة ضمان اشتراطات نجاح بقية البرامج التنفيذية "للتحول والرؤية" الاستراتيجية للاقتصاد، وألا تنعكس أي آثار سلبية لأي أسباب أخرى على النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة المستدامة، والضرورة القصوى للأخذ في الحسبان، أن تكلفة معالجة تلك الآثار السلبية المحتملة حال وقعت ــ لا قدر الله ــ ستأتي أعلى بكثير من أي ترشيد مالي راهن، ما يقتضي بكل تأكيد أن يأخذه فريق عمل برنامج «حساب المواطن» ضمن اعتباراته في الوقت الراهن. إنه عامل إيجابي جدا، أن يتسم عمل فريق برنامج «حساب المواطن» بالمرونة، حسبما اتضح من الإعلان الأخير حول آلية عمل الحساب، التي أوضحت اضطلاع لجنة عليا تشرف وتتابع تنفيذه، تتولى مراجعته ودراسة نتائجه بصورة شاملة كل ربع سنة، سيكون لهذه الآلية أثر مهم في المحافظة على حيوية ودينامية البرنامج، وأن يوفي عمليا بمسؤوليته تجاه كل ما تقدم ذكره من اعتبارات، والتأكيد على ضرورة سرعة تدخل تلك اللجنة متى استدعى الأمر، وألا تتأخر في معالجة أي انحرافات طارئة حتى موعد اجتماعها ربع السنوي. سائلين الله العلي القدير أن يكلل هذا المشروع الوطني بكل متطلبات النجاح والتوفيق، وأن يوفي بكامل مسؤوليته تجاه مقدرات مجتمعنا واقتصادنا الوطني. والله ولي التوفيق.
إنشرها