تحفيز القطاع الخاص .. دعم حسب الأداء

|
يمر الدعم الحكومي بتجديد لا مثيل له إن صح التعبير، وهذا يتفق مع التحديات الراهنة ويستجيب لواقع جديد لم نكن نعرفه في الماضي. قد يكون الدعم الحكومي ذكيا موافقا لتجارب عالمية ناجحة، أو مبتكرا إبداعيا خاصا بالسياق الذي نشأ فيه، المهم أنه يتطور ويتحسن في تعلم مستمر يجعله يقوم بالتحفيز الذكي الذي خطط له. هذا ما رأيناه ونرجوه من خطة تحفيز القطاع الخاص التي تم إعلانها يوم أمس، التي اشتملت على دعم لبرامج الإسكان والطاقة والصادرات والأنشطة التقنية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. تستفيد من هذا الدعم أكثر من فئة بشكل مباشر وغير مباشر، حتى تصل القيمة في نهاية الأمر إلى المواطن كمستفيد رئيس ونهائي. إذا حاولنا تصنيف هذه الفئات فقد نتمكن من تقسيمها ثلاث فئات، كالتالي. الفئة الأولى: القطاعات المستهدفة من الدعم، التي تستفيد بشكل مباشر من البرامج تحفيزا لأنشطتها ودعما لنموها. الفئة الثانية: جهات القطاع الخاص التي تعمل على تفعيل هذه البرامج ومساندة تنفيذها، وهذه تستفيد نموا في أعمالها وتعلما وبناء لقدراتها. والفئة الثالثة: تلك التي تستفيد من هذا الزخم الجديد، وتعمل على سد الفراغات وتنشط مكملة دائرة صنع وتحول القيمة في قطاعات أخرى غير المذكورة في الخطة. الجديد المتوقع ليس فقط في حجم الدعم المميز ولا في توقيته المهم، ولا في الفئات المستهدفة التي تخرج فيها المنشآت الصغيرة والمتوسطة بحصة مؤثرة، وهي تستحق ذلك، بل المتوقع أن تختلف آليات تنفيذ هذه المبادرات بشكل جذري عن السابق، إذ إن البيئة الرقابية اليوم أصبحت أكثر يقظة، والحس الإنتاجي – على المستوى الفردي- في تطور مستمر، وفكر الأهداف المخططة والمتابعة والمحاسبة خرج من محيط الأوراق إلى واقع التنفيذ والتفعيل. وهذا يجعل المهمة أكثر موضوعية لمن يدير هذه البرامج، فالجاهزية لاستيعاب الدعم تطورت كثيرا، وتحقيق عبارات مثل "لا دعم بلا استحقاق" أصبح أكثر واقعية. وكما شاهدنا أخيرا، أدوات قياس الأداء والأثر موجودة اليوم، واستخدامها قيد التجربة الفعلية؛ أتوقع أن يستمر منحى التعلم في استخدام مؤشرات الأداء من خلال هذه المبادرات حتى نصل إلى الاستفادة الكاملة منها. احتوت خطة التحفيز الجديدة على فئة جديدة من البرامج لم تكن تنال هذا الدعم المنسق والمباشر، وهذا أمر مبشر يبين التطور في أسلوب استهداف وتنفيذ المبادرات؛ إذ اشتملت الخطة على مبادرة لتحفيز تقنيات محددة (البناء والنطاق العريض)، وعلى دعم المتعثرين التجاريين (فالفشل ليس نهاية الطريق، والمتعثر يملك التجربة ويعي الدرس)، وتأسيس مكتب المشاريع ذات الأولوية، ومنصات للمرئيات وورش العمل والمؤتمرات الهادفة. لا يخفى على أحد أن هذا التحفيز الذكي يضفي توازنا جيدا في مواجهة تحديات ارتفاع التكاليف وركود الأسواق ووسائل الضبط الاقتصادية الجديدة كالضرائب، ويحرك بعض القطاعات بشكل مستهدف نحو الأهداف العليا والأساسية كتنويع مصادر الدخل، ولكنه لن يكون بابا للهدر، بل دعما مرتبطا بالأداء؛ إذ تطبق اليوم البرامج بآليات منضبطة وحوافز وضوابط بنسق موحد على جميع المبادرات، بحثا عن الفائدة والقيمة وبعدا عن الهدر والخسائر. نتطلع إلى أن يتم دعم هذه التطورات الإيجابية في مبادرات التحفيز بتطورات في الإفصاح كذلك، وصناعة معايير موحدة للتقرير عن سير ونتائج العمل الحكومي الذكي. يتم فيها على سبيل المثال الخروج بتقارير موحدة ومؤشرات قابلة للمقارنة لقياس الأثر وتوضيح النتائج السابقة والمحتملة. وقد يكون نشر التقارير المالية النظامية المدققة لكل مبادرة بشكل مستقل ونشر تحاليل مقارنة مجمعة لهذه المبادرات بشكل دوري خطوة أولية يسهل تنفيذها، فهذا من شأنه أن يعظم دور المواطن في التفاعل معها، وهو المستفيد الأول والأخير، ويحسن البيئة الرقابية، ويضخ محتوى نوعيا للإعلام والتعلم، ويرفع من حس التنافس المجتمعي نحو أداء أقوى ونتائج أفضل.
إنشرها