فلسطين .. القدس .. هموم أمة

|

لم أفاجأ بقرار ترمب بنقل سفارة أمريكا من تل أبيب إلى القدس، ضاربا بالحقوق التاريخية والدينية التي تؤكد ملكية الفلسطينيين والعرب والمسلمين لها عرض الحائط، ليس لوعده الانتخابي فقط، الذي كان بإمكانه تأجيله، وابتداع الذرائع لذلك، كما فعل أسلافه منذ عام 1995، لكن الأمر يتخطى هذه الأمور إلى ما هو أبعد من ذلك، ألا وهو عودة أمريكا إلى جذورها التي تأسست عليها، منذ حصلت الهجرات من أوروبا، وما صاحبها من اجتثاث للسكان الأصليين، وإقامة دولتهم الحديثة، رافعة شعار الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان - وإن لم يكن هذا الشعار للجميع - بل في كثير من الحالات على حساب حقوق الآخرين، في ممتلكاتهم، وخيراتهم، وما سلوك أمريكا من قتل للزعماء، وغزو للدول، وتدبير للانقلابات إلا دلائل على النزعة النفعية التي لا ترى إلا مصالحها فقط.
في العقود الماضية، كانت أمريكا تعيش حالة رخاء اقتصادي، لم يظهر معه الوجه الحقيقي لها، لكن مع الانحدار الاقتصادي بدأ الوجه الحقيقي يظهر، بلا مواربة، أو حياء. إن الوجه الاستعماري غير المباشر ظهر مع انتخاب بوش الابن، الذي احتل بلدين هما العراق وأفغانستان، ليستمر المسلسل في عهد أوباما الذي سار على النهج نفسه، وإن لم يكن بغزو واجتياح، بل من خلال القوة الناعمة.
خلال الانتخابات الأمريكية على مستوى الأحزاب كانت لدي جلسة للجيران، وكان الحديث عن الانتخابات الأمريكية، وكان الكل مجمعا على عدم فوز ترمب، إلا أني خالفتهم الرأي، وتوقعت فوزه على مستوى الحزب، وبالرئاسة، حتى إن الجميع استغرب ذلك مني، وأوضحت للجميع أن أمريكا تشهد تحولات تستدعي انتخابه، ومن على شاكلته لجمع الأموال، من خلال الابتزاز، والتهديد، والوعيد، ولمشاعر العداء التي يبطنها نحو المسلمين، إلا أنه لا أحد اتفق معي فيما ذهبت إليه في حينه، وتم انتخابه ليظهر وعوده على شكل أفعال.
أما وقد انتخب ترمب، وجلس على كرسي الرئاسة، فها هو يمارس ما يريده لأمريكا، وما تريده أمريكا منه من جلب للأموال، واستثمارات تنعش الاقتصاد الأمريكي، وتجنبه الركود؛ لتواصل هيمنتها على القرار الدولي، وبسط نفوذها على مصادر الثراء، ويحقق الأهداف ذات المرجعية الأيدولوجية، مستندا في ذلك إلى قرارات مؤسسية تتمثل في قرار الكونجرس بشأن نقل السفارة إلى القدس، لتلتقي الرغبة الشخصية مع إرادة المؤسسة الحاكمة.
ردود الفعل إزاء قرار أمريكا نقل سفارتها إلى القدس لم تأت من فراغ، بل جاء القرار بدراسة واعية ومعرفة بكيفية تفكير العرب، الذي تنقصه النظرة الشمولية لجميع الاعتبارات التاريخية والعقدية والنفسية، وما تطرق إليه ترمب أثناء خطابه من اعتبارات تاريخية ودينية وسياسية يدعم بها قراره، وادعاء اليهود بالقدس وفلسطين يؤكد الاهتمام بإظهار المرجعية، مهما كان ضعفها لإدراكه أن الطرف الآخر العربي، وتحديدا الفلسطيني لا يعبأ بإظهار المرجعيات التي تفند مرجعيته.
في جلسة مجلس الأمن، بهدف مناقشة قرار ترمب تحدث مندوب فلسطين، وأهم ما ذكره القرارات الدولية بشأن القدس، منوها بجهود الرئيس عباس، متناسيا أن عقل المستمع، سواء داخل مجلس الأمن، أو خارجه يهمه إبراز الحقائق التاريخية والدينية التي تدحض ادعاءات اليهود في فلسطين، في حين أن مندوب الكيان الصهيوني يستشهد بالتاريخ وبالتوراة، وأحضر معه عملة معدنية يدعي كذبا أنها تعود إلى ما قبل الميلاد، استخدمها اليهود في فلسطين، كما يدعي. وكنت أتمنى لو أن مندوب فلسطين أشار إلى أن اليبوسيين، والكنعانيين هم أول من استوطن فلسطين، وقبل مجيء اليهود إليها مطرودين من مصر.
ردود الفعل الشعبية أثبتت أنها أقوى "الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة"، إلا أن بعض الكتاب والمفكرين ينتقد صيغة وتوقيت خطاب ترمب، ومنهم من يقول لو قال القدس الغربية بدل القدس، والبعض يقول السياسة فن الممكن، وآخر يقول إن قرار ترمب فرصة لاستثارة الإرهابيين وإعادة الروح إليهم بعدما هزموا، ولسان حال هؤلاء يقول لو تكرم وتلاعب بالكلام، ولم يكن مباشرا، وتفادى إعطاء الحجة لمن قد يؤثرون في الطمأنينة العامة، لما همنا فقدان القدس أو فلسطين بكاملها. إنها طريقة تفكير ومرجعية واضحة أولا وأخيرا.

إنشرها