ثقافة وفنون

«جريمة قطار الشرق» .. فيلم أفقد الرواية حبكتها

من منا لم يقرأ للكاتبة الإنجليزية أجاثا كريستي التي اشتهرت بقصص الجريمة، وترجمت رواياتها لكثير من اللغات، فهي تميزت بأسلوبها المشوق والمتين وحبكتها المتقنة، ولقد كانت كريستي تستمد قصصها من حياتها اليومية، حيث عملت خلال الحرب العالمية الأولى في أحد المستشفيات، وبعد زواجها الثاني عاشت كريستي سنوات تتنقل بين العراق وسورية ومصر فجاءت أحداث عدد من رواياتها لتقع في هذه البلاد مثل "موت على النيل" و"جاؤوا إلى بغداد" و"جريمة في العراق" وحينما سافرت على متن قطار الشرق السريع خرجت بواحدة من أشهر رواياتها "جريمة في قطار الشرق السريع"، التي اختارها المخرج كينيث براناه لفيلمه الجديد، الذي حمل نفس عنوان الرواية.

بداية غير مشجعة
اعتراني الفرح لمشاهدة هذا الفيلم خاصة أني من عشاق روايات كريستي، وكنت أول الحاضرين في صالة السينما أترقب البداية التي خيبت ظني، فبعد نحو الـ20 دقيقة من بداية الفيلم بدأت الأحداث في التوارد فشعرت أنني لو تأخرت تلك الفترة الزمنية لم يفتني شيء، وسوف أكمل كأنني حاضرة منذ البداية، وهذا الفرق ما بين الرواية والفيلم، ففي الأولى يتشوق القارئ للتعرف على الشخصيات والاندماج في أسلوب الرواية كي يكمل بنفس التسلسل السردي في حين أن الفيلم يحتاج إلى دقائق معدودة كي يندمج المشاهد ويتعرف على الشخصيات بالكامل، وبعد نحو نصف ساعة بدأت الحبكة تأخد مجراها الطبيعي وبدأت نفحات أجاثا كريستي الأدبية بالتوارد عبر جمل كثيرة قالها البطل بوارو الذي ولد في قصتها المنشورة الأولى "القضية الغامضة في ستايلز" في عام 1920، واستمر بالظهور في روايات لاحقة لمدة 55 سنة حتى قتل أخيرا في عام 1975 في روايتها "الستارة" وهو محقق بلجيكي وشرطي متقاعد أهم ما يميزه ذكاؤه الخارق الناتج عن الخلايا الرمادية الصغيرة في دماغه، وشاربيه العظيمين اللذين ليس لهما مثيل.

شخصيات العمل
تدور أحداث الفيلم حول بوارو، الذي يلعب دوره الممثل والمخرج كينيث براناه، ويريد السفر من سورية إلى طوروس ولكن تأتيه رسالة مفاجئة من أحد مكاتب التحقيقات الخاصة تطلبه ليحقق في قضية مهمة، لذلك يقوم بتغيير مساره ويذهب بقطار الشرق السريع إلى لندن، يلتقي مصادفة صديقه بوك وهو المسؤول عن شركة القطارات، ونظرا للازدحام وعدم وجود مكان في القطار يسعى بوك إلى إيجاد إحدى المقصورات ليشاركها بوارو مع أحد المسافرين ويستطيع الوصول إلى لندن في غضون ثلاث ليال.
يقل القطار 14 مسافرا من بينهم بوارو وراكب يحمل مسدسه دائماً، ويلجأ إلى الغش والخداع لتحقيق أهدافه، يدعى راتشيت، يلعب دوره الممثل جوني ديب، ويرافق هذا الرجل سكرتيره هكتور ماكوين، يلعب دوره الممثل جوش غاد، الذي يلقى منه دوما معاملة سيئة.
وتضم قائمة الركاب شقراء تعمل دوما على إظهار مدى الحزم في شخصيتها عبر الصراخ والوقاحة والعجرفة، بل تُطلق على نفسها اسم "صائدة الأزواج" وهي السيدة هابارد تلعب دورها الممثلة ميشيل فايفر.

حوار ضئيل
كما نرى بين الركاب أميرة روسية متغطرسة دراجوميروف تلعب دورها الممثلة جودي دنش، وخادمتها الألمانية هيلدجراد شميت، تلعب دورها الممثلة أوليفيا كولمان، بالإضافة إلى أستاذ جامعي نمساوي عنصري يدعى جيرهارد هاردمان، يلعب دوره الممثل ويليم دفاو.
وتشمل القائمة كذلك مُبشرة إسبانية تدعى جريتا أولسون تلعب دورها الممثلة بينلوبي كروز، ومربية بريطانية مُفعمة بالحيوية ماري ديبنهام، تلعب دورها الممثلة دايزي ريدلي، وآخرين أيضاً، لكن أدوار كل المشاركين في العمل جاءت محدودة بالقدر الذي ظهرت عليه على الشاشة.
فرغم أن كاتب السيناريو مايكل غرين وضع على لسان كل منهم عبارات يكشفون من خلالها عن خلفياتهم وتوجهاتهم وميولهم السياسية، فإنه لم يتسن لأي منهم أن يتفوه بأكثر من بضع جمل حوارية.

ليلة الجريمة
في الليلة الثانية يقف القطار في منتصف الليل بسبب الثلوج، وفي نفس الليلة يسمع بوارو صيحة غريبة ولكنه يتجاهلها، إلا أنه في الصباح عندما يخرج المسافرون للفطور يلاحظ الجميع أن راتشيت ليس موجودا، وعند قيامهم بفتح غرفته يجدونه مقتولا بطريقة شنيعة، ويوجد 12 طعنة في مختلف مناطق جسده.
يأمر بوارو بإفراغ غرفة الطعام ليقوم بالتحقيق فيها ويستدعي كل مسافر على حدة، وبعد التحقيقات يكتشف بوارو علاقة بين هذه الجريمة وجريمة أخرى حدثت منذ زمن بعيد كان القاتل فيها رجل يدعى كاسيدي، وهو نفس الضحية بعد أن غير اسمه إلى راتشيت، وفي النهاية يربط بوراو عدد الطعنات بعدد المسافرين الآخرين بعدد هيئة المحلفين في المحكمة، ليعرف أن القتلة هم جميع المسافرين ما عدا اللايدي اندرينيه التي رغم رغبتها في قتل راتشيت إلا أن زوجها تكفل بذلك، ويبقى أمام بوارو أن يعرف من هو الشخص رقم 12، ومع التحقيقات يعرف أنه مفتش التذاكر في القطار.
اتضح كل شيء أمام بوارو، فالقتلة أرادوا أن تبدو كأنها عمل رجل من خارج القطار ولكن لسوء حظهم توقف القطار، وفي النهاية يقوم بوارو بتحقيق العدالة بألا يعلن عن الجريمة، لأن المقتول يستحق كل ما حصل له، فتعاطف مع المجرمين ولم يعرض تحقيقه على الشرطة.

نجاح الأزياء
وعلى الرغم من فشل العمل من ناحية السيناريو الذي جاء مملاً، والإخراج الذي جاء أقل من عادي، إلا أن المخرج برع في تقديم الأزياء والماكياج بطريقة تعبر عن الحقبة الزمنية التي تدور بها الأحداث بشكل دقيق وممتع، كما جاءت الموسيقى التصويرية لتتماشى مع أجواء التشويق والإثارة خاصة لهؤلاء من لم يقرأوا الرواية من قبل، فيجلسون في مقاعدهم تنتابهم الحيرة والتساؤلات.
فضلا عن ذلك أضاف براناه وكاتب السيناريو مايكل غرين إلى أحداث الفيلم، بعض أعمال التحري والبوليس السري التي لم تتضمنها الرواية. فالمشاهد الافتتاحية للعمل، تُظهر بوارو وهو يتباهى ويتفاخر ببراعته في الشوارع الصاخبة لمدينة القدس في عام 1934.

العمل الثالث
تجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية تم إنتاجها كفيلم عدة مرات أولها كان إنتاجًا بريطانيًا عام 1974، وقد حقق العمل وقتها نجاحًا جماهيريًا كبيرًا ونجاحًا فنيًا أيضًا، إذ ترشحت هذه النسخة لست جوائز أوسكار فاز منهم بواحدة هي أفضل ممثلة بدور مساعد نالتها إنجريد بيرغمان، أمّا المرة الثانية فكانت عام 2001 وفيلم تلفزيوني أمريكي. وكلف إنتاج الفيلم في نسخة 1974 نحو 1.4 مليون دولار فقط في حين حصد أرباحا بلغت 35.7 مليون، أمّا نسخة العمل الجديدة في 2017 فكانت ميزانيتها 55 مليون دولار، وبالرغم من أنّه تم عرضها في العاشر من نوفمبر الماضي، إلّا أنّه نجح حتى الآن في جني 196.8 مليون دولار.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون