تطورات الميزانية الحكومية

|
يتركز الحديث والنقاش مع نهاية كل عام مالي على الميزانية الحكومية، ودراسة نتائجها على الأداء الاقتصادي بشكل عام، وهو الحدث المالي الأهم في كل اقتصاد حول العالم، الذي يكشف عن توجهات السياسات والبرامج الاقتصادية المختلفة، وبناء عليها تجد بقية المنشآت والعاملين في مختلف نشاطات الاقتصاد الوطني، يتطلعون إلى معرفة نتائج الميزانية العامة، ومن ثم يقومون برسم وتحديد برامجهم وخططهم للعام المالي الجديد، الأمر الذي ترتفع أهميته بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني، لما يمثله الإنفاق الحكومي لدينا من أهمية قصوى تفوق نسبتها أعلى من ثلث حجم الاقتصاد الوطني، وهو الحديث الذي سيتسمر هنا حتى ما بعد صدور وإعلان الميزانية الحكومية بإذن الله تعالى. تبرز مؤشرات أداء الميزانية الحكومية ذات الأهمية على مستوى المراقبة، بدءا من مراقبة تطورات العجز المالي إن وجد، والبحث في أسبابه ونشأته، ونسبته إلى حجم الاقتصاد الوطني، وكيفية تمويله "محليا وخارجيا"، ومتابعة اتجاهه صعودا أو هبوطا خلال الفترة التي سبقت أحدث بيان، وعلاقة ذلك بحجم الدين العام. تأتي لاحقا متابعة تطورات البنود التفصيلية لكل من الإيرادات والمصروفات الحكومية، بالنظر إلى قدرة المالية العامة على رفع حصيلتها من الإيرادات، وتحديدا الإيرادات غير النفطية المستهدف العمل على رفعها فترة بعد فترة، وبالنظر إلى ترشيد المصروفات الحكومية في جانب الإنفاق الجاري بالدرجة الأولى، ورفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي على المشاريع بالدرجة الأولى لهذا الجزء، كونه الأكثر عرضة للمبالغة وسوء التصرف والفساد، عدا أهميته بالنسبة لسرعة تنفيذ المشاريع التنموية اللازمة للبلاد والعباد. أظهرت مؤشرات أداء الميزانية الحكومية خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام المالي الجاري، انخفاض حجم العجز المالي 40.2 في المائة، مستقرا عند 121.5 مليار ريال بنهاية الفترة من العام المالي الجاري، مقارنة بمستوى 203.1 مليار ريال كعجز مالي عن فترة الأرباع الثلاثة من العام المالي السابق، انعكس بتباطؤ النمو السنوي للدين العام من مستواه المرتفع الذي وصل إليه بنهاية الربع الثالث من العام المالي السابق البالغ 131.7 في المائة "239.3 مليار ريال"، إلى معدل نمو سنوي 57 في المائة، مستقرا بنهاية الفترة عند 375.8 مليار ريال بما لا يتجاوز 15.2 في المائة من حجم الاقتصاد الوطني. كما أظهرت مؤشرات أداء الميزانية الحكومية للفترة نفسها ارتفاعا قياسيا في مستوى الإيرادات النفطية 33 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي السابق، نتيجة لتحسن مستويات أسعار النفط العالمية، واستقرارها بنهاية الفترة عند 307.3 مليار ريال "68.3 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ63.3 في المائة للفترة من العام السابق"، وارتفعت الإيرادات غير النفطية للفترة بنسبة أدنى لم تتجاوز 6 في المائة، لتستقر عند 142.8 مليار ريال "31.7 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ 36.7 في المائة للفترة نفسها من العام السابق"، نتج التحسن في مستوى الإيرادات غير النفطية عن ارتفاع إيرادات الضرائب على السلع والخدمات 35 في المائة "25.5 مليار ريال"، وارتفاع الإيرادات الأخرى 7 في المائة "77.8 مليار ريال"، على الرغم من تسجيل بقية بنود الإيرادات غير النفطية انخفاضا بلغت نسبه حسب الترتيب: الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية 5 في المائة "عشرة مليارات ريال"، الضرائب على التجارة والمعاملات 10 في المائة "15.6 مليار ريال"، الضرائب الأخرى ومنها الزكاة 6 في المائة "13.9 مليار ريال". أما على مستوى المصروفات الحكومية، فلم يتجاوز نموها السنوي عن فترة الأرباع الثلاثة الأولى من العام المالي الجاري، مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي السابق 0.4 في المائة، مستقرة بنهاية الفترة عند 571.6 مليار ريال، كانت محصلته التفصيلية ارتفاعا طفيفا في بند المصروفات الجارية للفترة نفسها بـ 0.5 في المائة، لتستقر عند 474.3 مليار ريال "83 في المائة من إجمالي المصروفات الحكومية للفترة"، وارتفاعا أدنى عن مستوى المصروفات الرأسمالية لم يتجاوز 0.1 في المائة، لتستقر بدورها عند 97.2 مليار ريال "17 في المائة من إجمالي المصروفات الحكومية للفترة". عكست تلك المؤشرات قدرة المالية العامة على ضبط حدود العجز المالي، والسيطرة عليه وعدم انفراطه بالتركيز أولا على ترشيد الإنفاق الحكومي في جانبيه الجاري والرأسمالي، ودون التأثير في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، لما يمثله الإنفاق الحكومي حتى تاريخه من دورٍ بارز في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، والعمل على تحقيق التنمية الشاملة المستدامة للاقتصاد والمجتمع، وهو الدور الجاري العمل على تخفيف الاعتماد عليه مستقبلا، والعمل عوضا عنه على زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني. كما تمكنت السياسة المالية العامة من تنشيط متحصلات الإيرادات الحكومية غير النفطية بمعدل مقبول، ودون الإضرار بمقدرات الاقتصاد الوطني، وتحديدا القطاع الخاص والمجتمع، لهذا لم يتجاوز معدل نموها السنوي سقف 7 في المائة، إلا أن هدف الاستمرار في رفع متحصلات ذلك البند من الإيرادات يظل هدفا لا يمكن التراجع عنه بأي حال من الأحوال، وسيظل تحقيقه متناميا بالموازاة مع ارتفاع قدرات القطاع الخاص، وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني، وهو الأمر المرتبط بكل تأكيد بنجاح بقية السياسات الاقتصادية الأخرى، وعملها الدؤوب على تعزيز وتنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وزيادة التشغيل والإنتاج بالتزامن مع محاربة كل أشكال الاحتكار والاكتناز والتستر التجاري. وللحديث بقية بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.
إنشرها