FINANCIAL TIMES

شمس الاقتصاد العالمي تشرق من الغرب والشرق معا

يتمتع الاقتصاد العالمي بفترة انتعاش متزامنة الآن، على أنه سيتبين أنها فترة غير قابلة للاستدامة إن لم يرتفع مستوى الاستثمارات، خاصة في البلدان ذات الدخل المرتفع.
كما أن جبال الديون تهدد ديمومة الانتعاش، كما تقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المعروفة بـ"أوسيد"، وهي مجموعة البلدان الغنية في معظمها ومقرها باريس، في آخر تقرير لها.
هذا التقرير هو العمل الوداعي من كاثرين مان، التي كانت من أبرز من شغلوا منصب كبير الاقتصاديين في المنظمة. وهو يشير إلى أن الشعور بالارتياح مشروع، لكن التهاون هو بالتأكيد غير مشروع.
تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حصول نمو عالمي بنسبة 3.6 في المائة لهذا العام، بارتفاع من أصل 3.1 في المائة في عام 2016.
من المتوقع أن يصل النمو إلى 3.7 في المائة في عام 2018، قريبا من المتوسط الذي وصل إليه في الفترة من 1990 إلى 2007.
العضو الوحيد في مجموعة الاقتصادات السبعة الكبرى الذي من المتوقع ألا يكون نموه لهذا العام أعلى مما كان عليه في عام 2016 هو المملكة المتحدة.
تحدد كل من الصين والهند وتيرة النمو العالمية. تراقب منظمة التعاون 45 اقتصادا يعمل على توليد 80 في المائة من الناتج العالمي. ويتوقع ألا يتقلص أي منها في الأعوام 2017، أو 2018، أو 2020.
مع ذلك، لدينا سبب وجيه يدعونا للتشكك في استدامة وتيرة النمو المذكورة. عبر مجموعة البلدان السبعة، صافي معدلات النمو هو أقل ما كان عليه قبل الأزمة المالية.
ومن المتوقع أن يتحسن نمو إنتاجية اليد العاملة قليلا، مع ذلك سيبقى دون معدلاته التي وصل إليها في الفترة من 1995 حتى عام 2007. الأكثر أهمية من ذلك كله، المديونية العالية تواصل تهديد الانتعاش.
في البلدان ذات الدخل المرتفع، استقرت نسبة ديون الشركات إلى الناتج المحلي الإجمالي منذ الأزمة في بعض البلدان، لكنها تواصل ارتفاعها في بلدان أخرى (مثل فرنسا).
في المدى الطويل، ستزداد ديون الشركات بشكل أسرع من مخزونات رأس المال الإنتاجي في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو.
وحيث إنه تم تقليص بعض الديون من أجل إعادة شراء الأسهم وبالتالي رفع أسعارها، فإن مثل هذه الهندسة المالية هي نتيجة للمزايا الضريبية للديون والارتباط الدارج بين أجور التنفيذيين وأسعار الأسهم.
لا تزال ديون الأسر مرتفعة في كثير من البلدان ذات الدخل المرتفع، بما فيها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
الاقتصادات الناشئة ليس لديها، على الأقل، ديون مرتفعة على جانب الأسر، إلا أن كثيرا من الديون عملت على مراكمة ديون لا يستهان بها على الشركات، وكثير منها بالعملات الأجنبية.
ونسبة ديون الشركات إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصين أصبحت الأن أعلى ما هي في جميع الاقتصادات ذات الدخل المرتفع. لا عجب في أن تصنيفات سندات الشركات تدهورت في كل من البلدان الناشئة، والبلدان ذات الدخل المرتفع.
إذن ما المخاطر المرتبطة بالديون المصرة على الارتفاع، والآخذة في الارتفاع في كثير من البلدان؟ أحدها هو أن رأس المال عالق لدى شركات الزومبي (الحية الميتة). الأهم من ذلك كله أنه، بعد نقطة معينة، يغلب على مزيد من الائتمان أن يخفض النمو ويزيد عدم المساواة.
أما الخطر الأكثر إلحاحا فهو أن ارتفاع أسعار الفائدة قد يجعل الديون التي يمكن التحكم فيها الآن غير قابلة للسيطرة عليها. وهذا قد يولد موجة ثانية من الأزمات.
وتلك الأزمات لن تكون جديدة بقدر ما هي عودة ظهور الجيشان الذي ضرب اقتصادات الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية بين عامي 2007 و2012.
أحد الأسباب التي تدعو للاعتقاد بأن هذا لن يحدث هو التحول من الإقراض المصرفي إلى سندات الشركات. قدرة الوسطاء ذوي الرفع المالي العالي، مثل المصارف، على تحمل الخسائر هي قدرة محدودة.
بالتالي فإن تراجع أهمية مثل هذه المؤسسات يفترض فيه أن يزيد من متانة تلك الاقتصادات ذات الرفع المالي العالي وقدرتها على التحمل. مع ذلك، فإن التعاملات التي دخلت فيها المؤسسات التي من هذا القبيل يظل لا يستهان به، خصوصا قروضها إلى المساكن ذات الأسعار التي فوق قيمتها الحقيقية. الاعتماد الأكبر على السندات يوجد مخاطر خاصة به. تتعرض الأسواق الناشئة لمخاطر العملات الأجنبية. علاوة على ذلك، فيما لو تعرض عدد كبير من الشركات للتعثر حتى تصل إلى حد الإفلاس، فإن من شأن مصارفها أيضا أن تصاب بالأذى.
الخسائر الكبيرة في السندات ربما تستثير تدافع المستثمرين لسحب أموالهم من صناديق السندات، وبالتالي تؤدي إلى حدوث توقف في التمويل، بما في ذلك الحاجة إلى تمديد آجال الديون. لذلك، التحول من التمويل المصرفي إلى تمويل السندات يحمل بين ثناياه أيضا مخاطر في الاقتصادات ذات المديونية العالية.
هناك سؤال حاسم هو لماذا يمكن أن ترتفع أسعار الفائدة. أحد الأسباب الحميدة لذلك قد يكون النمو الأقوى، الذي ينبغي على الأقل أن يؤدي إلى تحسن فرص كثير من الشركات والأسر المثقلة بالديون.
أما السبب السيئ فقد يكون اندفاع التضخم. إذا كانت المصارف المركزية بحاجة لتشديد سياساتها النقدية بشكل حاد، ربما يواجه بعض المدينين صعوبات شديدة، كما حصل في أوائل الثمانينيات. والتشديد استجابة لارتفاع التضخم يمكن أن يستثير موجة من حالات الإعسار وتباطؤا حادا بشكل غير متوقع. أما القلق من الجهة الأخرى فهو أن المصارف المركزية قد لا تجد أمامها مجالا كافيا للاستجابة. بصورة عامة، تتسبب الديون المرتفعة في زيادة صعوبة معايرة السياسة النقدية.
بما أن الانتعاش آخذ في الحدوث الآن، من الضروري تخفيض الرفع المالي في الاقتصادات. التغير الحاسم هو القضاء على التعاملات الضريبية التفضيلية للديون. والأجور المرتبطة بالأسهم تشجع على الإفراط في الاقتراض: يجب أن يعاد النظر في التعامل معها من قبل النظام الضريبي.
مزيد من رأس مال حقوق الملكية من شأنه أن يجعل المصارف أقل هشاشة. إضافة إلى ذلك، يجب على الاقتصادات الناشئة أن تثبط الاقتراض بالعملات الأجنبية.
في الوقت نفسه، يجب بذل كل الجهود لرفع الاستثمارات في القطاعين العام والخاص. أحد أهم المجالات لزيادة الاستثمارات هو قطاع الإسكان، على الرغم من أن ذلك يجب أن يتم دون إذكاء الطفرات من النوع الذي شهدناه في إسبانيا قبل الأزمة. بشكل أعم، من المهم أن يكون الاتجاه التصاعدي مدفوعا بالاستثمار إن أردنا له الاستدامة.
وسيتعين على الاستثمارات العامة أن تلعب دورا في ذلك، خاصة لتحسين البنية التحتية ودعم التقدم الضروري في العلوم والتكنولوجيا.
انخفاض الاستثمارات والمديونية العالية ليستا القيود الوحيدة التي يواجهها الاقتصاد العالمي. كما أن المخاطر السياسية مرتفعة أيضا، مثلما هي التهديدات التي تواجهها التجارة الحرة.
ويبقى أن رفع الاستثمارات وخفض الديون هو على رأس الأولويات. كما قال الرئيس جون كينيدي في عام 1962: "يحين وقت إصلاح السقف عندما تشرق الشمس".
من الضروري قطع دابر ظاهرة "تجاوز العرض للطلب في سوق السندات" غير المنتجة في القطاع الخاص التي هي موروثة من الأزمة وتداعياتها.
التحول لن يحصل بين عشية وضحاها، عليه ينبغي علينا القضاء على الحوافز المحيطة بمثل هذه السلوكيات المحفوفة بالمخاطر.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES