«قرار الاعتراف» .. سابقة وانتهاك جسيم

|

لمدينة القدس رمزية دينية وحضارية وثقافية مكثفة في الجغرافيا والتاريخ والبشر، فيها عبق الديانات السماوية الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية، لكنها منذ وقعت في محنة الاحتلال الإسرائيلي باتت أشد عسرا وأكثر ضنكا خصوصا بعد حرب 67 التي جعلت منها أسيرة الصهاينة مع أراض فلسطينية أخرى أطبقت عليها مستوطنات الغزاة المحتلين الصهاينة.
ولم تفلح كل القرارات الأممية ولا جولات المفاوضات ولا اتفاقية أوسلو ولا اتفاقية السلام العربية في ردع المحتل لإعادة الحق إلى أصحابه وتنفيذ القرارات الدولية بشأن إنشاء دولتين مستقلتين لفلسطين عاصمتها القدس الشرقية والأخرى لإسرائيل.
وعلى مدى الـ20 سنة الماضية راحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تسعى إلى انتزاع الاعتراف بالقدس عاصمة للدولة العبرية، لكنها واجهت في أوروبا وفي دول العالم الأخرى رفضا قاطعا يطلب منها الامتثال والرضوخ للقرارات الأممية واتفاقية أوسلو فيما كان رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية المتعاقبون خلال تلك الفترة يحيدون عن ضغوط اللوبي الصهيوني بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وفي الأيام القليلة الماضية ظلت وسائل الإعلام الأمريكية تتداول تسريبات غامضة وتصريحات مختلفة حول عزم الرئيس ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها باعتبار ذلك أحد وعوده الانتخابية، وقد أبدت السعودية اعتراضها على ما تناولته وسائل الإعلام بهذا الخصوص كما جاء في تصريح مسؤول بوزارة الخارجية.
وحيال ذلك أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في اتصال هاتفي من الرئيس ترمب، أكد فيه أن أي إعلان أمريكي بشأن وضع القدس يسبق الوصول إلى تسوية نهائية سوف يضر بمفاوضات السلام ويزيد التوتر في المنطقة، موضحا أن سياسة المملكة كانت ولا تزال داعمة للشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية، مشددا على أن من شأن هذه الخطوة الخطيرة استفزاز مشاعر المسلمين كافة حول العالم نظرا لمكانة القدس العظيمة والمسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين.
إلا أن الرئيس ترمب، رغم ما سمعه من سداد الرأي من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ومن اعتراضات من معظم الزعماء العرب والمسلمين والاتحاد الأوروبي وغيرهم من دول العالم وفي مقدمتهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، اختار أن ينحاز للكيان الصهيوني وأن يرضخ لإملاءات اللوبي الصهيوني للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، وهو ما أقدم على إعلانه البارحة متذرعا لهذا الاعتراف بخلفية اعتراف أمريكا بإسرائيل قبل 70 عاما وبقرار سابق كان قد صوت عليه مجلس الشيوخ الأمريكي قبل 20 عاما، لكن من سبقه من الرؤساء تحاشوا الأخذ به.
المؤسف أن الرئيس الأمريكي سعى إلى تبرير "سابقته" هذه وبانتهاكه الجسيم للقرارات الدولية بتبنيه المزاعم الإسرائيلية حول الحق التاريخي والديني لليهود في القدس منذ القدم وتبنيه أيضا التصديق على أقاويل ومزاعم ديمقراطية الكيان الصهيوني قافزا فوق حقائق التاريخ والواقع وما يعانيه الفلسطينيون من تنكيل وهدم لبيوتهم وتشريد وقتل على مدى 70 عاما من الاحتلال، وإن حاول الرئيس ترمب التغطية على كل ذلك بأن أمريكا ستتخذ من هذا الاعتراف منطلقا لتسوية تصل بالفلسطينيين والإسرائيليين إلى اتفاقية سلام تحل فيها جميع المشاكل ليستقل كل منهما بدولة خاصة بها.
والأكيد.. أن هذا القرار سيسحب من أمريكا مصداقيتها ويفتح نذر العنف ومهاب رياح الصراع داخل القدس وبقية الأراضي الفلسطينية فضلا عن أنه استفزاز لمشاعر العرب والمسلمين، كما أن المسلمين والمسيحيين في بقاع العالم كافة لن يفهموه إلا على أنه تحد لمشاعرهم الروحية واعتداء على أماكنهم الدينية وحقهم التاريخي فيها، بل هو قرار يصب في مصلحة المتطرفين والإرهابيين دولا وأحزابا ومنظمات طالما بررت توحشها باسم الدفاع عن القدس والتستر على جرائمها باسم الإسلام، والخشية أن يجعل هذا القرار من "مدينة السلام" و"زهرة المدائن" مرجلا للعنف وساحة للاقتتال ويفتح أبوابا للتطرف والإرهاب.

إنشرها